يواجه الاقتصاد العراقي انكماشًا حادًا وصل لمرحلة حرجة قد تفضي إلى "الكساد الاقتصادي" فيما إذا لم تعالج بالمستوى المطلوب، اتضح هذا الانكماش في أداء القطاعات الاقتصادية مثل الصناعة والتجارة والزراعة والسياحة إلى مستويات متدنية أدت إلى بطالة مرتفعة واتساع دائرة الفقر وخروج الاستثمارات الأجنبية.

استمرار استنزاف تلك القطاعات مع حالة الركود العام يؤدي إلى الكساد ممثلًا بانخفاض واسع النطاق في النشاط الاقتصادي ترافقه زيادة العرض مع انخفاض الطلب يدفع الإيرادات الصناعية والتجارية وقيمة الاستثمارات إلى الانخفاض بوتيرة شديدة وزيادة معدلات البطالة والفقر إلى مستويات عالية وما يرافقه من آثار اجتماعية سلبية.

ما الذي قاد الوضع في العراق إلى الانكماش حتى يتوقع الخبراء إمكانية حدوث كساد في عام 2016 على الرغم من امتلاك العراق لحصة كبيرة من النفط والغاز والثروات المعدنية والبشرية؟ وهل باتت هذه الثروات نقمة على الشعب عوضًا أن تكون له عونًا في حياة كريمة؟

تعود أسباب انكماش الاقتصاد العراقي إلى الحالة الأمنية التي تشهدها البلاد في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية فمصروفات وزارة الدفاع لشراء الأسلحة والذخيرة والمعدات وصرف رواتب الجنود سيطرت على جزء كبير من الإنفاق العام في الموازنة، ومن ثم اعتماد العراق على النفط كمصدر وحيد للموازنة وعدم توفر صناعات ومشاريع استثمارية في البلاد تدر القطع الأجنبي سوى النفط، بالإضافة إلى الفساد المالي المستشري في أجهزة الدولة وأخيرًا الهبوط الحاد لاحتياطي النقد الأجنبي في المصرف المركزي العراقي.

في ظل اعتماد العراق على سلعة النفط الذي هبطت أسعاره ما يزيد عن 60% خلال الـ 19 شهرًا الماضية لتلامس مستوى 34 دولارًا للبرميل انخفاضًا من 115 دولارًا قبل يوليو 2014، ومع اعتماد الموازنة على 90% من إيرادات النفط ووفق الأسعار الحالية للنفط بإمكان العراق تأمين ربع الموازنة المالية لعام 2016 فقط المُقرّة حديثًا من مجلس النواب العراقي والبالغة 105 ترليون دينار عراقي (90 مليار دولار تقريبًا)، بعجز مالي يبلغ 25 ترليون دينار (21 مليار دولار).

أصبح العنوان العريض لموازنة العراق المالية اليوم هو "التقشف" وما يلحقه من معاناة المواطنين ورفع الضرائب وأسعار السلع واللجوء للاقتراض الخارجي والمحلي لمواجهة العجز المالي الذي يعبر عن عجز الحكومة العراقية عن احتواء الوضع الاقتصادي والتعامل معه بحرفية، إذ استهلكت الحكومة قوانين وأموال بأرقام كبيرة لأجل تقديمها لجيوب الفاسدين، حتى دفع الفساد المالي لاقتصاد العراق "لحافة الانهيار" ونقل الطبقة المتوسطة والفقيرة إلى حافة الفقر المدقع.

حيث بات العراق مرتعًا لأكبر عمليات فساد منظمة في المنطقة، حيث ذكرت منظمة الشفافية العالمية في يوليو 2015 أن العراق خسر خلال سنوات حكم المالكي 1000 مليار دولار كان نصيب الفساد منها 100 مليار دولار.

لم يستفد المواطن العراقي من طفرة أسعار النفط والفائض على الموازنة حيث بالكاد أمّنت له الحكومة قوت يومه، وعمل الفاسدين على ملئ أرصدتهم البنكي، وعندما انخفضت أسعار النفط تعالت أصوات الحكومة من أجل فرض سياسة التقشف ورفع الضرائب وأسعار السلع وتخفيض الرواتب ليتحمل المواطن الأعباء المالية في أوقات التعثر والانتعاش بآن واحد.

الأدهى والأمر أنّ تلك المؤشرات الاقتصادية الآنفة الذكر مرشحة للتدهور في ظل توقعات تهاوي أسعار النفط أكثر، وهروب الاستثمارات الأجنبية بسبب زيادة المخاطر الجيوسياسية وارتفاع الإنفاق على الأمن والدفاع لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، إضافة لانتشار الفساد والرشاوى والمحسوبية والتهرب الضريبي والجمركي وامتناع السكان من دفع الفواتير وغيرها من العقبات التي تنخر بعصب الاقتصاد العراقي وبالتالي تؤثر على موزنتها المالية.  

ما يزيد من الأزمة المالية أيضًا، هبوط احتياط النقد الأجنبي في المصرف المركزي العراقي من 88 مليار دولار في نوفمبر عام 2013 إلى 35 مليار دولار في شهر ديسمبر الذي يعتمد على النفط بنسبة 95% لتغذية البنك المركزي باحتياطي النقد الأجنبي حسب إحصائيات المصرف المركزي العراقي.

نزيف الاحتياطي النقدي للبلاد جاء بالدرجة الأولى لانخفاض أسعار النفط العالمية؛ حيث تصدر العراق يوميًا 3 مليون برميل، كما أن المركزي يبيع شهريًا ما يقدر بـ 4 مليارات دولار في السوق المحلية، في حين يُقدر الدخل الحقيقي للبلاد ملياري دولار شهريًا؛ وعليه فإن العراق يشهد نقصًا في عملته الصعبة شهريًا ملياري دولار حسب ما أفاد الخبير الاقتصادي عبد العزيز النعيمي، أضف إلى ذلك ما صرّح به محافظ المركزي العراقي أن العراق يمتلك من العملة الصعبة ما يكفي لتغطية واردات ستة أشهر فقط حسب المعايير الدولية.

من الناحية القانونية ساهم قانون الاستتثمار الذي أعفى الأجانب من الرسوم إلى استمرار تناقص الاحتياطي النقدي وأفقد البلاد مصدر دخل نقدي آخر.

 أما أمنيًا توجه اتهامات لحزب الدعوة والمجلس الأعلى لاستيراد تجهيزات وأسلحة وسيارات مصفحة بفارق سعري كبير عن السوق العالمي ما يثقل ميزانية الدولة بمبالغ طائلة تسبب تناقص احتياطي العملة الصعبة للعراق.

تم تخفيض سعر صرف الدينار مقابل الدولار بواقع 16 دينارًا أي بنسبة 1.37% ليصبح سعر الصرف 1182 دينارًا للدولار الواحد، في سبيل زيادة إيرادات الحكومة لتلبية الاحتياجات المحلية وتقليص العجز المالي.

 الجدير بالذكر أن للعراق تجربة تاريخية في تخفيض قيمة الدينار؛ ففي تسعينات القرن الماضي أثناء فترة الحصار الاقتصادي وصل التضخم إلى مستوى "التضخم الجامح" بنسبة 492%، واجه الناس حينها تآكلاً في قيمة العملة واظطروا لبيع ممتلكاتهم لتوفير لقمة العيش.

وعلى صعيد الاستثمارت الأجنبية فقد ألغت 37 شركة أجنبية عقود استثمار في العراق وقعتها مع الحكومة العراقية في عامي 2013 و2014 تتضمن مشاريع سياحية وصناعية وزراعية وأخرى تتعلق بقطاع النفط والغاز وبناء مجمعات سكنية وشبكة لتحلية المياه في البصرة وتصل تكلفة تلك الاستثمارات إلى 2.8 مليار دولار، وأفاد عضو الاستثمار والتنمية في البرلمان العراقي ماجد محمد أن موجة الاستثمارات للشركات الأجنبية والعربية توقفت بشكل شبه كامل بالعراق والوضع مقتصر حاليًا على بعض المستثمرين المحليين.

تحاول الحكومة العراقية الترويج لسندات حكومية بعوائد عالية للمستثمرين آملةً جمع ما قيمته 6 مليارات دولار، وتقدمت كذلك لطلب قرض من صندوق النقد الدولي الذي سيعمل على ألاّ يكون هناك عجز في الموازنة العامة للدولة وأن تكون الحكومة قادرة على سداد الديون الخارجية المستحقة للصندوق وسيفرض زيادة في الضرائب والرسوم والأسعار وتخفيض العملة الوطنية وخفض الدعم المقدم للوقود والمشتقات النفطية في سبيل خفض العجز الحكومي وتوفير المال، ما سينعكس بإجراءات تقشفية قاسية على المواطنين.  

في النهاية أنتجت الأزمة المالية الفقر والبطالة وسوء توزيع الثروة وسيبقى المواطن العراقي هو المتضرر الوحيد من برامج الحكومة الاقتصادية التي نجحت فقط في تعبئة جيوب الفاسدين وإرهاق الاقتصاد الوطني وفشلت في تحقيق حياة كريمة للمواطنين.