أشكال الدعم الاقتصادي الإماراتي لمصر ومآلاته

حظيت مصر بمكانة مرموقة في المنطقة، فهي تقع على مفترق الطرق بين الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي دولة كبيرة ذات تاريخ عريق تتمتع بمزايا فريدة من بينها الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية والأهمية الحضارية والثقافية، وتعد أكبر بلد في منطقة الشرق الأوسط من حيث التعداد السكاني، ولها دور سياسي وإستراتيجي كبير، فعلى أرضها توجد قناة السويس الممر الذي تمر عبره حوالي 10% من حركة التجارة البحرية العالمية، كما أن أمن وقوة واستقرار مصر هي عوامل حيوية لأمن وقوة واستقرار المنطقة، وانطلاقًا من حرص الإمارات على تكوين شراكات حقيقية مع المجتمع الدولي سعت منذ تأسيسها في عام 1971 على بناء وتعزيز الحضور الدولي الفاعل لدولة الإمارات في مصر خاصة وفي المنطقة عامة.

تدرك الإمارات أهمية المرحلة التي تمر بها مصر الآن لذلك قامت بتوقيع مذكرة تفاهم بين الإمارات ومصر وفرنسا على هامش مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي في منتصف مارس 2015، رسمت الخطوط العريضة للمشاريع التنموية المقدمة من دولة الإمارات انطلاقًا من رغبتها في الوقوف إلى جانب مصر لإعادة بناء اقتصادها واستعادة المكانة التي تليق بها باعتبارها مركز ثقل وصمام أمان للاستقرار والنمو الاقتصادي للمنطقة، ونظرًا للحاجة الماسّة للتعامل في مواجهة التحديات التي تجتاح مصر انتهجت الإمارات طريقة مختلفة لتنفيذ برامج التعاون مع مصر، واتخاذ تدابير عاجلة تحقق نتائج ملموسة يستفيد منها الشعب المصري، والتعاون مع مصر لوضع خطة إنعاش اقتصادي تقوم على تنشيط ستة قطاعات رئيسية: الطاقة، السياحة، الزراعة، الإسكان، التعدين، وصناعة النسيج، بالإضافة لحشد تأييد سياسي واقتصادي واسع النطاق لمصر.

تمثل الدعم الإماراتي لمصر اقتصاديًا في منح مالية وتشغيلية من خلال مجموعة واسعة من برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن دعم فني لخطة الإنعاش والتنمية الاقتصادية، في إطار هذه الجهود، قدمت دولة الإمارات منحة قيمتها مليار دولار، ووديعة بقيمة ملياري دولار، وقدمت بعد ذلك 4.9 مليار دولار لإقامة مشاريع خدمية، إضافة إلى تمويل شراء كميات من الوقود لتأمين احتياجات مصر من الطاقة حتى 2015، كما قدمت تمويل مبادرات ومشاريع متنوعة بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فوفقًا للبنك المركزي المصري تحتل دولة الإمارات العربية المتحدة المركز الأول من حيث الاستثمارات العربية المباشرة الموجودة بمصر، بقيمة 401.2 مليون دولار، ومن حيث الأهمية النسبية لحجم التجارة مع مصر، قال "المركزي"، إن الإمارات احتلت المركز الأول بنسبة 8.9% من إجمالي حجم التجارة مع الدول، وخلال كلمة ألقاها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي إن الإمارات قدمت 14 مليار دولار لمصر منذ يوليو 2013 وحتى مارس 2015، وأضاف آل مكتوم أن الإمارات تدعم مصر بمساعدات جديدة بقيمة 4 مليارات دولار، منها ملياري دولار يتم إيداعهما في البنك المركزي، وتوظيف ملياري دولار لتنشيط الاقتصاد المصري عبر مبادرات، وحسب الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي وزيرة التنمية والتعاون الدولي بالإمارات، فإن المساعدات التي قدمتها الجهات المانحة الإماراتية إلى مصر خلال عام 2013 وحده، بلغت 16.99 مليارات درهم إماراتي، تم إنفاقها على 54 مشروعًا تم تنفيذها في مصر، ويمثل هذا الرقم نسبة 78.57% من إجمالي التمويل الإماراتي المقدم خلال عام 2013، وقالت: إن حجم المساعدات الإماراتية لمصر منذ عام 1971 وحتى عام 2013 بلغ نحو 35.5 مليار درهم إماراتي.

تتعدد أشكال ومستويات الدعم الإماراتي لجمهورية مصر، ومما يعد أهم تلك الأشكال حزمة مشاريع تتعهد بموجبها الإمارات بتقديم مجموعة من المخرجات، يمكن سرد أهمها:

1. توفير 900.000 فرصة عمل جديدة ناجمة عن مشاريع التنمية والبنية التحتية.

2. إنفاق مليار ونصف دولار أمريكي لإنشاء 50.000 وحدة سكنية للأسر المصرية في مختلف المحافظات المصرية.

3. تشييد 100 مدرسة في 18 محافظة تستوعب 67.000 طالب.

4. ترميم وبناء 25 صومعة للقمح بسعة إجمالية 1.5 مليون طن.

5. إنشاء 78 مركزًا صحيًا في 23 محافظة تخدم 780.000 مواطن.

6. توفير الكهرباء من الطاقة الشمسية لأكثر من 30.000 منزل في 70 قرية.

إن إغفال الإمارات وحكومة السيسي معالجة المشاكل الأساسية المزمنة في الاقتصاد المصري، التي تعاقب عليها أكثر من حكومة ورئيس ولم تجد طريقًا للحل بعد، يمكن مرده لسبب رئيس ألا وهو دعم لمشروع سياسي أكثر منه تنمية واستثمارات مستديمة، فبالنظر إلى النموذج الاقتصادي المصري المصمم مطلع الألفية الجديدة بمساعدة البنك الدولي وصندوق النقد والمؤسسات المالية العالمية نجد أنه يعاني من مشاكل هيكلية تمس وظيفته الاجتماعية وتؤثر بالسلب على التماسك الاجتماعي والشعور بالعدالة ومن ثم على الاستقرار السياسي.

وعلى ضوء التعاون المعلن بين دولة الإمارات وحكومة السيسي التي تدعي خلق نمو وتنمية مستدامة في مصر، فإن ما تحاول الإمارات وحكومة السيسي فعله بضخ المال في خزينة البنك المركزي وتقديم منح مالية ومعونات عينية لا يعدو وصفه إلا حلولاً جزئية آنية ووصفات شكلية لمشاكل هيكلية، وهذا أشبه بحقن المخدر لاقتصاد متعثر، فجذر المشكلة التي يعاني منها الاقتصاد المصري يتطلب إعادة تصميم النموذج الاقتصادي ككل على نحو يجعله أكثر تنموية وأكثر عدالة، وهو الحل الأمثل لإعادة التعافي للاقتصاد، فالسر في استعادة النمو في اقتصاد مصر وفي إصلاح الخلل الهيكلي في المالية العامة هو مدى قناعة المستثمرين والاأجانب بأن مصر تتجه نحو استقرار سياسي يبرر ضخ المزيد من الاستثمارات في الاقتصاد، وهذا ما لا تتوافر معطياته حسب سلوكيات نظام السيسي التي تصر على سياسة التهميش والاقصاء والإلغاء التي تدفع بالبنية المحلية نحو اللأمن واللاستقرار، فالإصلاح قبل أن يكون اقتصاديًا لا بد أن يكون سياسيًا بالدرجة الأولى حيث قرار النهضة والتنمية والبناء الاقتصادي السليم بحاجة لقرار سياسي صادر عن جهة سياسية شرعية.

كما أن اختزال مشكلة الاقتصاد المصري في عجز الموازنة والدين العام والاحتياطي النقدي ورفع معدل النمو ومحاولة معالجتها دون التطرق لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري يعني بشكل أو بآخر العودة لسياسات نظام حسني مبارك الاقتصادية وكأن ذلك النموذج كان ناجحًا وحقق نموًا لا يضاهي لمصر، ويخلو من انتكاسات وإشكالات مزمنة.

وعلى ضوء ما تقدم ممكن ملاحظة بعض التقييمات الاقتصادية التي ترى بخطة الدعم الإماراتية خطة خاطئة ومستعجلة ولا تراعي مشاكل الاقتصاد المصري المزمنة، مما يجعل مخرجات الدعم الاقتصادي الإماراتي لا تساهم في إنقاذ هذا الاقتصاد المتعثر، ويزيد من تحديات حكومة السيسي الاقتصادية:

1. عاشت حكومة الببلاوي بعد الانقلاب في مصر على الدعم المقدم من دول الخليج (الإمارات، السعودية، والكويت)، إلا أنه وبعد استلام السيسي الحكم بدأت المساعدات المالية تنخفض تمامًا وتركزت فقط في الوعود بضخ استثمارات حيوية في قطاعات الإنشاء والطاقة، وعلى إثر خفض الدعم المالي تعاني الحكومة المصرية اليوم عجزًا متزايدًا في الموازنة العامة للدولة، وتزايد عجز ميزان المدفوعات، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، بجانب انخفاض معدلات النمو، ونقص السيولة النقدية، وانخفاض النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري، مما يزيد الضغوط على الدول الداعمة لزيادة الدعم والإنفاق على حليفهم السيسي وإلا ستواجه الحكومة المصرية خطر الإفلاس.

2. جاء في تقرير لبنك لازارد الفرنسي أن مصر تحتاج إلى 30 مليار دولار سنويًا لمدة 4 سنوات، منها 15 مليار دولار لسد الفجوة التمويلية للمصرف المركزي للحفاظ على مستوى آمن للاحتياطي النقدي الأجنبي يغطي 3 أشهر من الواردات، إضافة إلى 15 مليار دولار أخرى في صورة استثمارات لتحقيق معدل نمو بنسبة 5% في المتوسط خلال الأربع سنوات مقبلة.

3. استحواذ الجيش على الحكم، ومحاولة مزاحمته القطاع الخاص للفرص الاستثمارية من جهة، ومن جهة أخرى أدى إبعاد السيسي جميع الأشخاص غير المؤمنين بفكره، واستبعاد الكفاءات في كافة المجالات اعتقادًا منه أن هؤلاء الأشخاص هم خطر عليه وعلى الأفكار التي يريد تطبيقها في الدولة، إلى إلحاق الدولة خسائر حقيقية في الاقتصاد المصري؛ ما خلق مناخًا من عدم الاطمئنان لدى كافة المواطنين والمستثمرين الأجانب وانسحاب القطاع الخاص بمؤسساته من ساحة الاستثمار المصرية.

4. ضعف قطاع السياحة، وانحسار أعداد السياح القادمين إلى مصر أجبر بعض الشركات على تصفية استثماراتها السياحية في البلاد؛ ما ينذر بأزمة ثقة بين الشركات السياحية والحكومة وخروجها من السوق المصرية بسبب الخسائر التي تملى بها على مدار الأربع سنوات الماضية.

5. التهديد للأمن المائي والغذائي والنقص في الكهرباء الذي ستواجهه مصر في المستقبل بسبب توقيع اتفاقية مع إثيوابيا حول سد النهضة، الأمر الذي يسبب عجزًا كبيرًا في حصة مصر من المياه وبوار أراضي بين 2 إلى 3 ملايين فدان وهي ربع مساحة مصر الزراعية، بالإضافة إلى تشريد آلاف المزارعين وتفاقم العجز في الأمن الغذائي وتقليل الكهرباء المولدة من السد العالي بنسبة 30% وتهدف إثيبوبيا من ذلك إلى بيع الكهرباء والمياه لمصر والسودان، وبحلول عام 2050، ستحتاج مصر إلى أضعاف ما تستهلكه اليوم من المياه بسبب النمو السكاني الذي سيقدر وقتئذ 150 مليون نسمة، وقدر محللون أن تكلفة تحلية مياه البحر قد تصل إلى 6.5 مليار دولار سنويًا لتعويض نقص المياه.

يتبين من التحليل أعلاه إلى عدم استناد مشاريع الدعم المقدمة من قِبل دولة الإمارات إلى مصر على إستراتيجية اقتصادية تلحظ المشاكل وتتبنى حلولًا علاجية تنهض بالاقتصاد المصري، ومرد ذلك سببين رئيسين أن ذاك الدعم قدم بصيغ سياسية مشروطة بحزمة إجراءات أمنية وعسكرية تراعي الهواجس الامنية الإماراتية وتغفل صيغ العيش المشترك بين المكونات المصرية، وتتجاهل العقد الاجتماعي المصري مراهنة قدرة المؤسسة العسكرية في استحواذها على الشرعية السياسية والاجتماعية، والسبب الثاني يتعلق بمنظومة البرامج الاقتصادية الهشة للنظام المصري الحالي التي لا زالت تزج بالمؤسسة العسكرية بالقطاعات الاقتصادية وتربط عجلة التقدم الاقتصادي عبر بوابتها، وتخضعها وفقًا لأولوياتها.

ختامًا مما لا شك فيه أن الدعم الإماراتي لمصر لازال يشغل السياسيين والمحلليين الاقتصاديين وصناع القرار والمعارضين بشتى أطيافهم على حد سواء، إلا أنه من المؤكد أن الدور الذي تلعبه السياسة الخارجية الإماراتية لا يزال يلقي بظلاله على مجريات الأحداث في الملف المصري، وما تقوم به الإمارات  في مصر هو حرب بالوكالة للقضاء على الحركات الإسلامية عبر استخدام المؤسسة العسكرية، وتطبيق ما أمكن من وسائل القوة الناعمة على أقل تقدير في مصر ضد الحركات الإسلامية التي تقف ضد مصالحها وشرعيتها، وتدعم القوى الليبرالية واليسارية لإعادة الدولة العميقة إلى السلطة واسترجاع الحقبة السابقة ما قبل الثورة وتفشل مخططات الربيع العربي (تمكين موجة الثورة المضادة) هذا من جهة، ومن جهة أخرى تشن الحروب حالما تفقد السيطرة على القرار السياسي كما في ليبيا لدعم حلفائها ضد صعود الجماعات الإسلامية.

إن رؤية المشروع السياسي والعسكري الإماراتي المصري قائم على فكرة إما الانتصار لمشروعها بإرضاخ الأحزاب والفعاليات السياسية الفاعلة في المجتمع أو التخلص منها حال وقوفها ضد المشروع بالقتل والاعتقال والاضطهاد حتى ترضخ للأمر الواقع.

يمكنك قراءة الجزء الأول من هذا المقال هنا: دور الدعم الإماراتي في عدم استقرار مصر