ترجمة وتحرير نون بوست

تُوصف الولايات المتحدة الأمريكية بأنها دولة ديمقراطية، ولكن على النقيض من ذلك، وبعد التقصي الدقيق، بالكاد تبدو عملية الترشيح الحزبية لمنصب رئاسة الولايات المتحدة كمنارة مشرقة للديمقراطية.

في معظم تاريخ الولايات المتحدة تم اختيار مرشحي الأحزاب للرئاسة من قِبل سماسرة السلطة السياسية وعاقدي الصفقات خلف الأبواب المغلقة، حيث تعمل الأحزاب بنظام النوادي الخاصة، كونها تصوغ قواعدها الخاصة وتتوجس من انخراط الغرباء ضمنها.

في الآونة الأخيرة فقط تم تطعيم الانتخابات التمهيدية بنظام أكثر انفتاحًا وبمؤتمرات حزبية بغية إفساح المجال أمام الأميركيين البسطاء لتقرير المرشح الذي سيظهر على ورقة الاقتراع في الانتخابات العامة.

ولكن مع الاقتراب المثير للجدل للحدث الرئاسي، تنهار القشرة الخارجية الهشة لنظام المساءلة وتكشف عن العوامل القبيحة التي لا تزال تلعب في بعض الأحيان تلعب دورًا فظًا ضمن النظام السياسي الأميركي، وهذه العوامل استثارت الاعتراضات من أنصار كلا الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، وعلى وجه الخصوص دونالد ترامب وبيرني ساندرز، الذين يشعرون بأن المؤسسات الحزبية تحشد لتقويض مساعيهم الرئاسية.

ولكن يمكن اعتبار مخاوفهم محقة؟ إليكم فيما يلي إجابات لأربع أسئلة مهمة مع اقتراب معارك الترشيح الرئاسية من أشهرها الحاسمة.

هل يعاني ترامب من الغش الانتخابي حقاً؟

على الرغم من أن ترامب يتربع حاليًا على قمة الترتيب للفوز بسباق ترشيح الحزب الجمهوري، إلا أن الأمور تبدو على أرض الواقع وكأنه يخسر.

يمتلك ترامب أفضلية مريحة في عدد المندوبين حتى الآن، حيث استطاع الظفر بـ757 مندوبًا مقابل 529 فاز بها وصيف متصدر الترتيب، تيد كروز، ولكن مع ذلك، يوجد أدلة متزايدة خلف كواليس العملية السياسية على خسارة ترامب لسباق الترشيح، وهي أدلة ستؤتي أكلها في حال أخفق بالوصول إلى عدد المندوبين السحري، 1237 مندوبًا، اللازمين لتأمين ترشيحه الصريح عن الحزب الجمهوري.

في ولاية كولورادو، التي اختارت مندوبيها الأسبوع الماضي من خلال تجمعات حزبية وليس من خلال انتخابات تمهيدية أو مؤتمرات حزبية، ظفر كروز بجميع مندوبي الولاية الـ34، وحتى في الولايات التي عقدت مسابقات انتخابية ظفر بها ترامب، كان فريق كروز يعمل بشراسة لضمان ترشيح المندوبين لكروز.

وفي مثال على ما تقدم، وعلى الرغم من أن ترامب حصد أغلبية مندوبي ولاية كارولينا الجنوبية الـ50، إلا أن مندوبي مؤتمر الولاية قد يكونون مخترقين بأنصار كروز؛ ففي الوقت الذي قد يلتزم فيه هؤلاء المندوبون بالتصويت لترامب ضمن بطاقات الاقتراع القليلة الأولى، فقد يعمدون لتغيير ولائهم لصالح سيناتور ولاية تكساس إذا احتدمت المعركة ضمن المؤتمر.

هذه الحقائق أدت إلى تعالي أصوات انتقادات ترامب ومؤيديه، حيث جاء في تغريدة لترامب على تويتر: "هذا يحصل في جميع أنحاء بلادنا، أشخاص عظيمون يحرمون من حق إبداء أصواتهم من قِبل السياسيين، الحزب الجمهوري في ورطة".

وفي ذات السياق، اتهم بول مانافورت، المساعد الجديد لترامب المسؤول عن إدارة عملية اختيار المندوبين، حملة كروز باستخدامها "تكتيكات الجستابو، وتكتيكات الأرض المحروقة" في ولاية كولورادو.

إذا كان سباق الانتخابات الأمريكية، كما أكد ترامب يوم الاثنين، مزورًا وملتويًا، فإن هذا الأمر لا يخدم دائمًا خصوم ترامب؛ فبفضل نظام تقسيم مندوبي الحزب الجمهوري، بما في ذلك نظام "الفائز يظفر بكل الانتخابات التمهيدية" المطبّق في ولاية فلوريدا، استطاع ترامب الحصول على حصة من المندوبين تبلغ 45% حتى الآن وهي نسبة أكبر من عدد الأصوات الشعبية التي جمعها في الانتخابات التمهيدية والتي تبلغ 37%.

ولكن، إذا فاز كروز بترشيح الحزب في مؤتمر الحزب الجمهوري رغم كونه وصيف ترامب في مجموع المندوبين وحصة الأصوات الشعبية، فحينها سيتوافر سبب لشعور ترامب بالظلم والخيانة.

قبل أن يرفع شكواه صارخًا، يبنغي على ترامب أن يصغي إلى المشورة الحكيمة التي نُسبت زورًا لألبرت أينشتاين: "عليك أن تتعلم قواعد اللعبة ومن ثم تلعب بشكل أفضل من أي شخص آخر"، علمًا بأنه ينبغي على ترامب أن يكون على دراية بهذا الاقتباس، لأنه نشره بتغريدة له على حسابه في أكتوبر 2014.

لماذا لا يلحق ساندرز بكلينتون؟

فاز ساندرز بخمس مسابقات انتخابية بشكل متلاحق، كما فاز بسبعة مسابقات من أصل ثمانية، ولو كان ساندرز يخوض مسابقة في كرة القدم الأميركية لكان مهيئًا لمرحلة النهائيات بالتأكيد، ولو كان ملاكمًا محترفًا، لكان يستعد الآن للحصول على اللقب.

ولكن بدلًا من ذلك، لم تعمل جميع تلك الانتصارات إلا على تحويل تخلّفه عن متصدرة الترتيب، كلينتون، من تخلّف حاد إلى تخلّف أقل حدة؛ فخلال المسابقات الأخيرة لم يستطع سيناتور فيرمونت الحصول إلا على 91 مندوبًا فقط، على الرغم من فوزه بولاية ويسكونسن بـ56٪ مقابل 43%، يوتا 79% مقابل 20%، وواشنطن 72% مقابل 27%.

وفقًا لحسابات صحيفة نيويورك تايمز، تمتلك وزيرة الخارجية السابقة حاليًا 1305 مندوبين، في حين يمتلك ساندرز 1086 مندوبًا، وإذا أضفنا إلى ذلك الدعم غير الملزم لكبار المندوبين "super-delegates"، وهم شاغلو المناصب في الحزب الديمقراطي وموظفو الحزب الذين يدلون بأصواتهم أيضًا في مؤتمر الحزب، فسيتضح لنا بأن كلينتون تتصدر الترتيب بـ1774 مندوبًا مقابل 1117 لساندرز.

من الجدير بالذكر، أنه ولتأمين الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي ضمن المؤتمر الحزبي، يجب على المرشح الحصول على 2383 مندوبًا خلال الجولة التمهيدية.

المشكلة بالنسبة لساندرز هي أنه وعلى الرغم من انتصاراته الكبيرة خلال الشهر الماضي، إلا أن هذه الانتصارات تحققت في ولايات فقيرة بالمندوبين إلى حد كبير، مثل وايومنغ التي لا تتمتع سوى بإجمالي 14 مندوبًا، إيداهو 23مندوبًا، وألاسكا 16 مندوبًا، وتبدو نجاحات ساندرز شاحبة للغاية بالمقارنة مع الانتصارات السابقة الضخمة لكلينتون في ولايات الجنوب المكتظة بالسكان والمندوبين مثل تكساس وفلوريدا وجورجيا التي أعطتها وحدها تقدمًا بـ 184 مندوبًا على ساندرز.

في حال خرجت كلينتون فائزة، كما هو متوقع لها، من المسابقات القادمة في نيويورك (291 مندوبًا)، ميريلاند (118 مندوبًا) وبنسلفانيا (210 مندوبين)، فسوف تقوض إلى حد كبير الأرضية المتواضعة التي بناها ساندرز على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية.

هل تلعب نسبة التصويت الشعبية أي دور حاسم؟

إذا كانت قواعد حسابات المندوبين وقواعد اختيارهم تصبيك بالدوار، فهل يمكنك على الأقل الاعتماد على مجموع عدد الأصوات الشعبية لتتعرف على مدى شعبية المرشحين الباقين؟

الجواب لا؛ فوفقًا للتقديرات الحالية، تلقت هيلاري كلينتون 9,412,426 صوتًا حتى الآن خلال موسم الانتخابات التمهيدية، وحصل بيرني ساندرز على 7,034,997 صوتًا، وهذا الفارق البالغ 2.4 مليون صوت تم التعويل عليه بلا هوادة من قِبل وزيرة الخارجية السابقة وأنصارها لمواجهة مزاعم أنصار ساندرز بأن رجلهم هو أكثر شعبية مما تشير إليه إحصاءات عدد المندوبين.

ولكن بعض الولايات التي تعقد المؤتمرات الحزبية، مثل أيوا وواشنطن، لا يتم تضمينها ضمن هذا العدد، لأن هذه الولايات لا تصدر أرقامًا عن مجاميع أعداد الأصوات، ومن هذا المنطلق، حاول جلين كيسلر من الواشنطن بوست استنتاج الأعداد ضمن الولايات المتبقية على أساس مجموع الناخبين الذين يدلون بأصواتهم ضمن تلك الولايات، وخلص إلى أن هيلاري كلينتون ما زالت تتقدم على بيرني ساندرز بـ 2.3 مليون صوتًا، وهو هامش لا يزال كبيرًا.

أما فيما يخص الجمهوريين، الذين يقدمون تقاريرًا أفضل عن مجاميع أعداد الأصوات الكاملة، فحصد ترامب 8,256,309 صوتًا، بعده كروز بـ6,319,244 صوتًا، ويأتي المرشح الذي تراجع عن ترشيحه، ماركو روبيو، في المركز الثالث بـ3,482,129 صوتًا، يليه كاسيتش 2,979,379 صوتًا.

في النهاية، قد تسبغ أعداد التصويت الشعبية نوعًا من الشرعية على المرشحين المتفوقين باعتبارهم خيار الشعب، ولكن المظاهر قد تكون خادعة، حيث يقول كيرلي هاوغلاند، أحد مندوبي ولاية شمال داكوتا في لقاء تلفزيوني:"وسائل الإعلام خلقت انطباعًا بأن الناخبين يختارون المرشح، وهنا يكمن النزاع؛ فالقواعد لا تزال مصممة ليختار الحزب السياسي مرشحه في المؤتمر، بهذه الطريقة تسير الأمور فقط".

هل يمكن رشوة مندوبي المؤتمر الجمهوري؟

من مؤتمر الحزب الجمهوري لعام 2012

إذا انتهى موسم الانتخابات التمهيدية الجمهورية، كما يبدو مرجحًا على نحو متزايد، بدون ظفر دونالد ترامب بالـ1237 مندوبًا المطلوبين لضمان الترشيح، فيستحول المؤتمر الجمهوري إلى مجال تصويت حر لأول مرة في التاريخ السياسي الحديث للولايات المتحدة الأمريكية.

بعد عدة جولات من الاقتراع الفاشل، سيكون معظم المندوبين إلى المؤتمر أحرارًا للتصويت وفق ما تمليه عليهم ضمائرهم، ولكن يمكن أن تُستحثّ ضمائر هؤلاء بعطلة نهاية أسبوع مجانية في منتجع الغولف الذي يمتلكه ترامب على سبيل المثال؟ أو حفل عشاء لطيف مع عائلة كروز؟ أو حتى منصبًا مختارًا في إدارة كاسيتش؟

ربما! ففي حين توجد قوانين مفصلة لمكافحة الفساد التي تحكم سلوك شاغلي المناصب العامة، لا يعتبر مندوبو المؤتمر من شاغلي المناصب العامة، بل هم مواطنون عاديون، وعلى الرغم من أن الأنظمة الحكومية تحظر عليهم أخذ المال من الشركات والنقابات العمالية والمتعاقدين مع الحكومة أو الرعايا الأجانب، إلا أن ما يجري خلف القانون يبدو أشد ضبابية وقتامة للغاية.

حيث يمكن للحملات الانتخابية والجهات المانحة الثرية أن تغطي نفقات أسفار المندوبين مهما كانت باهظة، أو يمكن أن يتمثل الأمر بشكل هدية ساعة ذهبية، أو هدايا أخرى لا يمكن تعقبها، أو أي أمر آخر، وعلى الرغم من أن قوانين مكافحة الرشوة يمكن أن تنطبق على هذه الحالات، إلا أن السوابقة القانونية التي حصل بها هذا الأمر تبدو ضئيلة للغاية.

لعل أكبر رادع يمنع الحملات من ممارسة هذا النوع من الفساد، هو تأثير الدعاية السلبية التي قد تنجم عن هذه المحاولات في حال تم توثيقها، ولكن تبقى التصورات والمواقف العامة في هذا الموسم السياسي صعبة التنبؤ للغاية، على أقل تقدير.

على الرغم من أن المؤتمر الوطني لا يزال على بعد شهور طويلة، إلا أن اتهامات ممارسة الحيل بدأت بالفعل بالظهور إلى العلن؛ ففي يوم الأحد المنصرم، اتهم ترامب، في تغريدة له على تويتر، حملة كروز بالإساءات خلال مؤتمر الحزب في ولاية جنوب كارولينا، وهو الاتهام الذي نفاه كروز بشدة.

"أفوز بتصويت ولاية، ومن ثم أحصل على مندوبين لا يمثلوني لأن حملة كروز تقدم لهم جميع أنواع الأشياء الجيدة، نظام سيء!"

ولكن مع ذلك، وخلال مقابلة تلفزيونية في صباح ذلك اليوم نفسه، اعترف مستشار ترامب، بول مانافورت، بأن حملته الانتخابية لن تكون خجولة في التودد للوفود المشاركة في المؤتمر الوطني، في الوقت الذي أعرب فيه مستشار آخر لترامب، باري بينيت، بأن الحملة لن تقدم "المقاعد على متن طائرة ترامب أو أي شيء من هذا القبيل، لأن هنالك خطًا عريضًا واضحًا نعمل عليه، فنحن لن نقوم بأي شيء غير أخلاقي أو غير قانوني".

ولكن عندما يصبح ترشيح الرئاسة على المحك، ويتعلق النجاح أو الفشل بعدد قليل فقط من المندوبين، قد ينتهي الأمر  بهذا "الخط العريض" ليصبح غامضًا إلى أبعد الحدود.

المصدر: بي بي سي