منذ أن أرسلت تركيا قواتها التي لم تتجاوز بضعة مئات إلى معسكر بعشيقة بالتشاور مع الحكومة العراقية في 2014، والمجتمع الدولي متردد في ساعة الصفر التي ستبدأ منها معركة تحرير الموصل، وما إن بدأت هذه المعركة، حتى تهافتت القوى الدولية على تحقيق أكبر كم من مصالحها ضمن هذه المعمعة، فكانت على رأس هذه القوى الولايات المتحدة الأمريكية، التي ترددت بشكل مكشوف حول مشاركة تركيا، فتارة تقول الإدارة الأمريكية إنها تريد من تركيا احترام سيادة العراق، وهي تدنسها منذ 2003! وتارة تقول للعراق إن تركيا محور مهم في محاربة تنظيم داعش، بمواقف مترددة، غير واضحة، وهذا يعطينا مؤشر على أن أمريكا تلعب على جميع الأطراف في هذه المعركة.

وهذا ما فسّر سخرية الرئيس التركي أردوغان من أمريكا بدعوتها طلب الاستئذان من حكومة العراق، بسبب انتهاك سيادته، وكذلك ما قد وضّحه بدعم الإدارة الأمريكية للمنظمات الإرهابية في المنطقة بأنّ "نصف الأسلحة التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ذهبت إلى تنظيم داعش الإرهابي، ونصفها الآخر وصل إلى حزب الاتحاد الديمقراطي"PYD، ومع التصريحات المتتالية التي بينتها تركيا بشرعية دخولها إلى الأراضي العراقية، أولها كان من وزير الدفاع العراقي المقال خالد العبيدي في 29/11/2015 وتعبيره عن رئيس حكومته برضاهم عن تدريب قوات الحشد الوطني على يد القوات التركية، وثانيها كان اللقاء الشهير عام 2014 بين رئيس الحكومة الأسبق أحمد داود أوغلو ونظيره العراقي حيدر العبادي.

الدبابات التركية على مشارف الموصل

كل هذا جعل تصريحات الإدارة الأمريكية التي تفيد بأحقية مشاركة تركيا بمعركة تحرير الموصل، تغلب على تلك التي تفيد بانتهاك تركيا لسيادة العراق! ولكن، كله نظري إلى حد الآن، وحتى إن كانت تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو تفيد بمشاركة تركيا جويًّا في هذه المعركة، وإذا استمر موقف أمريكا هكذا، فلن تحقق تركيا في هذه المعركة ما حققته في درع الفرات.

إن ما يفسر السياسة الأمريكية تجاه تركيا في هذه القضية هو الزواج الذي أتمته من إيران على ظهر العراق عام 2003، ولو أننا لم نسمع صوتًا لإيران في أثناء الموقف العراقي ضد تركيا ظاهريًا، إنما اكتفت بالصمت مقابل خروج لسان الناطق بإرادتها في الحكومة العراقية.

التوافق الإيراني الواضح مع السياسة الأمريكية، بعد ذلك الزواج، كان سببًا كافيًا لأمريكا، لتبدي - على الأقل، سكوتًا - رضاها عن المضاعفات الإيرانية على الساحة العراقية، وهي سياسة أمريكا المتمثلة في دعم الأقليات ضد الأغلبيات، ودعم الضعيف ضد القوي، ليضعف القوي، ثم تفتك بالضعيف على أهون الأسباب، والسياسة التركية ضد تفتيت الشرق الأوسط، لا توافق أمريكا وأعوانها، ولكن للفائدة الكبيرة التي قد تقدمها تركيا لأمريكا قد لا تصرّح الأخيرة بتلك الموازين، إنما تبدي اهتمامًا منها للعمليات التركية التي تقودها في المنطقة، وبذلك نفهم كثيرًا من المواقف التي تتأرجح بين أمريكا - تركيا، وتركيا - العراق، وتركيا - إيران.

لا يمكن لتركيا أن تبدي مواقف طائفية ضد "الأشقاء العرب" على حد تصريح مساعد رئيس الحكومة التركية نعمان قورتولمش، فهي استقبلت ما يقارب 3 مليون سوري، ونصف المليون عراقي على مدى السنوات الماضية، وتمتلك القدرات لاستيعاب الهجرات المتوقعة نتاج الأخطاء التي قد ترتكب في معركة تحرير الموصل، وتركيا تتعامل معهم بأسلوب "التوافق الثقافي"، فكما صرّح السفير التركي في المغرب أدهم باركان أوز بأن "تركيا تعمل على إدماج كل اللاجئين في المجتمع بغض النظر عن دينهم أو عرقهم".

وهذه السياسة التركية تناقض بشكل صارخ السياسة الإيرانية في المنطقة، فيمكننا القول بأن تركيا تستقبل اللاجئين من كافّة الأقطار، بكافّة ألوانهم، وهذا يجعل تركيا تحقق تلك السياسة الأمريكية التي تدعم الضعيف إلى حدٍّ يبلغ منه مناكفة القوي، ليقوم بإضعافه، بل بالعكس، فالسياسة التركية تقوم على تقوية أواصر القوى للمجتمع الأصلي في أي منطقة أو مدينة، وتحافظ على مكوناتها، وهذا ما يضاد بالجملة والتفصيل مبدأ الطائفية الذي نرى مشاهده ليل نهار في الساحتين العراقية والسورية.

وفي المحصلة لم تستطع أمريكا توريط تركيا في معركة درع الفرات، وذلك بسبب الاستراتيجية التركية التي اتخذتها، وهي ألا تتدخل بالمطلقية التامّة، بل أخذت تدرّب قوات الجيش السوري الحر، وتوطّد أراضيه، وتدعم العشائر السورية، وجعلت نوعًا من التنظيم الذي ساعد على تحرير الأراضي من مقاتلي تنظيم داعش؛ وبناءً عليه، وجدنا أن العبادي كان يتكلم بلسان الغرب وإيران من إبداء امتعاضه تجاه تركيا للتدخل في تحرير الموصل، لأن تركيا لديها استراتيجية في الموصل مشابه لتلك في درع الفرات لا تجعل من تركيا لقمة سائغة لتقع في الفخ الأمريكي كما تورطت إيران في أكثر من عاصمة عربية.

إنّ تركيا لديها المزيد من الأوراق لتضغط بها على الولايات المتحدة الأمريكية في مسألة الموصل، ومن أهم تلك الأوراق قضية تحرير الرقّة، فتركيا قد تكون لاعبًّا ثانويًّا في الموصل - من وجهة نظر إيران وأمريكا - ولكنها أساسية ومحورية في الرقّة، وخصوصًا بعد زحف فلول داعش إليها.