هناك من المهارات العلمية والتقنية ما لم تتعلمه في المدرسة، بل هناك أيضًا من العلوم الاجتماعية والعلمية ما لم تتبناه كثير من مناهج مدارسنا حتى الآن، لنرى غيرنا قد سبقونا في بداية تعلم تطبيقه عمليًا في معاملهم بالفعل، إلا أن التأخر في التعليم أو التغافل عن التدريب على بعض من الأساسيات الحياتية ليس بجديد على منهاج المدارس، وبالأخص في المرحلة المتوترة التي يعيشها عالمنا العربي أخيرًا، إلا أن ذلك التغافل لا يقتصر فقط على على المهارات العلمية، بل يمتد إلى أساسيات قد تنفعنا على المدى الطويل في حياتنا اليومية.

لا يعني أن تعلمنا مهارات التواصل مع الناس في سن مبكر أننا لن نخطأ أبدًا في تعاملاتنا اليومية فيما بعد، إلا أنه لا يمكننا إنكار بأن تعلم مهارات مثل الذكاء العاطفي، والمهارات الحياتية في التعامل مع البشر، قد تغنينا عن الوقوع في كثير من الإشكاليات التي قد تؤدي بنا إلى مواقف عصيبة فيما بعد.

الذكاء العاطفي ببساطة هو القدرة على تمييز مشاعرنا والتحكم فيها بشكل واع، كما يمكننا من تعريف وفهم مشاعر الآخرين، والتحكم في تأثيرها علينا، ويتكون من ثلاثة مفاهيم أساسية، وأولها الإدراك العاطفي، وهو القدرة على تحديد ما نشعر به، وما يشعر به الآخرين تجاهنا، يليها القدرة على التحكم في العواطف وتطويعها، واستغلالها في تحقيق الأهداف، وفي حل المشاكل كذلك، أما المفهوم الثالث، فهو التحكم بعواطف الآخرين، إما بإسعادهم أو ببث الحزن في نفوسهم.

يبدو الكلام بسيطًا عند القراءة، فربما هي بضعة نصائح من خبير في العلاقات الاجتماعية يصبح المرء بعدها بارعًا في إدارة مشاعره ومشاعر الآخرين، إلا أن الأمر ليس بتلك السهولة، فهناك من يسمح لمشاعره أن تتحكم بزمام الأمور في حياته تاركًا لها أن تفسد عليه خططه، وهناك من يدع مشاعر الحزن تسيطر عليه ويبثها في الآخرين بدون وعي منه، أما أولئك من يتمتعون بمهارات متقدمة في الذكاء العاطفي، فلديهم قدرة ملحوظة في القيادة وإدارة الأعمال، ولديهم باع في حل النزاعات، كما لا يدعون مشاعرهم السلبية تدمر حياتهم وحياة الآخرين، وهناك ذلك النوع الفريد الذي يستخدم ذكاؤه العاطفي في إيذاء من أمامه، وذلك لقدرته على التلاعب بمشاعره.

لا يمكننا خلط الذكاء العاطفي بالمشاعر الشخصية، فلا يمكننا التعبير عن الذكاء العاطفي الحزن أو السعادة أو الشجاعة، فكلها صفات شخصية، لا يمكننا تلخيص الذكاء الاجتماعي بها، كما يخلط البعض ومنهم خبراء علم النفس بين الذكاء العاطفي ومستوى الذكاء العادي، باعتبارهم الذكي عاطفيًا " Emotionally Intelligent" يتمتع بمستويات عالية من الذكاء IQ، ولكن ما سبق يعد من أشهر الأخطاء الشائعة التي يسيء بها الناس فهم الذكاء العاطفي.

هل واجهت من قبل نفسك بما تشعر به حقٍا؟، يخشى البعض منا سماع الحقيقة، هذا أمر طبيعي إذا ما كان يسمعها من شخص آخر، ولكن يكون الوضع غريبًا وغير مألوفًا على البشر حينما يواجهون الحقيقة بسماعها من أنفسهم، فمن الصعب أن يواجه الإنسان نفسه، ويحدد ما يشعر به حقٍا تجاه شيء أو شخص معين، هل هو بالفعل يكرهه، أو هل هو بالفعل سعيد بتواجده في تلك الوظيفة، أم هل هذا المجال الأكاديمي سيحقق له السعادة التي يبغيها؟، ماذا عن مشاعر الآخرين تجاهنا، تكون تلك المهمة الأصعب بالنسبة للناس، وهي تحديد المشاعر التي يكنها البشر تجاهنا، فنجد أن العديد منا يقع في مصيدة الحب إلا أنه يكتشف بعد فترة بأنها كانت مجرد مشاعر كاذبة، أو يرى البعض احترامًا ومودة من صديق معين، وينخدع فيه لاحقٍا؟، أمازلت ترى أن الذكاء العاطفي ليس مهمًا؟

يقول خبراء علم النفس بأن الذكي عاطفيًا له القدرة على رؤية مشاعر الآخريين بوضوح وكأنها علامات مرسومة على وجوههم، فله القدرة على اكتشاف الناس بسرعة، ومعرفة ما إذا كانوا يصطنعون المشاعر الموجهة نحوه أم لا، كما أن هذا يعود عليه بالنفع كذلك، فيستطيع تحديد مشاعره بدقة، ومن هنا يحدد قرارته وما هو قابل على فعله أو تحمله بناءٍا على شعوره تجاه هذا الأمر بالتحديد.

من لا يتمتعون بمستويات عالية من الذكاء العاطفي لا يميلون إلى التجربة الأولية، وهي ما يعمد أغلبنا إليه، فدائمًا نميل إلى قول دعني أجرب أولًا لأري كيف ستسير الأمور وكيف سأشعر تجاه ذلك الشخص أو بخصوص ذلك الأمر، إلا أن التدريب على تحديد مشاعرك الأولية لأصحاب الذكاء العاطفي ما يجعلهم يتجنبون كثيرًا من التجارب الفاشلة، أو المحكوم عليها بالفشل من البداية.

ماذا عن المشاعر المدمرة؟، أليست من أكثر الأشياء التي تهيمن على حياتنا وتقوم بتدميرها شيئًا فشيئًا دون إدراك كامل منا؟، لا يمكننا تجاهل المشاعر السلبية مطلقٍا، فهي لا ترحل مع الزمن، ولا ننساها بانشغالنا بمهام أخرى، بل هي من أكثر السموم الحايتية التي لا تؤذي جسديًا، ولكنها تدمر عاطفيًا، وهو ما يستطيع الذكي عاطفيًا تميزه، فهو يستطيع التحكم في مشاعره السلبية، وترويضها لكي لا تهيمن على حياته، أو حياة من حوله.

هل تعد نفسك من الأفراد المنتجة في المجتمع؟، هذا لا يعني قدرتك على إنتاج الماديات من المنتجات والسلع، بل هل تجد نفسك مِن من يضيفون شيئًا إيجابيًا للمجتمع؟ أو على العكس تمامًا ينشر مشاعره السلبية تجاه الآخرين؟، هذا ما يسميه خبراء الذكاء العاطفي بالحافز، ليس ذلك الذي يناله الفرد ليقوم بأداء عمله بشكل أفضل سواء كان زيادة في الراتب أو غيره من أدوات التحفيز، إنما هو الذي يقوم الذكي عاطفيًا به ليكون فردًا فعالًا في المجتمع، يضيف إليه قيمة إيجابية باستمرار.

ربما أخبرونا بالعد من واحد لعشرة عند التعرض لموقف عصيب، ولكن لا يمكننا اعتبار ذلك حلًا دائما لإدارة المشاكل، كما لا يعد حلًا فعالًا لحالات العصبية المفرطة، أو الاكتئاب على سبيل المثال، التحكم في العصبية أو المشاعر المحبطة من أصعب المهام على الإنسان، ولذلك نجد أنه يحاول أن يجد لها مخرجًا سريعًا، وهو ما يختلف بين البشر، منهم من يتخلص منه في أن يصرخ بصوت عال، ومنهم من يقوم بممارسة الرياضة ليتخلص منه، ومنهم من يتخلص منه على هيئة إيذاء شخص آخر إما جسديًا أو معنويًا، تختلف الطرق إلا أن السبب واحد، وهو عدم التحكم الجيد في العصبية أو المشاعر السلبية.

لم يتأخر الوقت بعد، فإن تغافلته وسائل التربية والتعليم في سن مبكر، فلن تتغافله أنت بعدما سمعت عنه، ابدأ مع نفسك قبل تعليم الآخرين، وحاول أن تصمت وتستمتع لنفسك أكثر من التعبير عنها بشكل خاطىء، ربما يتطلب منك الأمر مزيدًا من البحث والقراءة، وربما سيتطلب منك النزول وممارسة الرياضة لترويض الجسد ومن ثم ترويض المشاعر، ومن الممكن أن يتطلب منك إعادة التفكير من جديد في كل ما تشعر به سواء من مشاعر إيجابية أو سلبية، ولكن بمجرد البدء بالخطوات الأولية، من الممكن أن تتغير حياتك للأفضل، وأن تبدأ في حماية نفسك من المشاعر المنافقة أو السلبية، وأن تتجنب كثيرًا من المواقف الفاشلة، أو المحبطة، ومنها تبدأ في مزيد من التحكم في مشاعرك نفسها، فربما لا يعتبر الذكاء العاطفي العامل الأساسي للنجاح، إلا أنه بدون شك من أهمها.