منذ فوز دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة في الانتخابات الرئاسية في 9 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي والدولار يواصل عرض عضلاته أمام عملات العالم، من الدول المتقدمة والناشئة، فتمكن مؤشر الدولار من تحقيق قفزات قوية أمام سلة من العملات الرئيسية إلى أعلى مستويات له منذ 14 عامًا.

يأتي هذا الصعود في الوقت الذي أظهر الاقتصاد الأمريكي بيانات مشجعة تبرز تعافيه من الركود الذي وقعه في شراكه في الأزمة المالية العالمية عام  2008 حيث تمكن الاقتصاد الأمريكي من إيجاد وظائف بأكثر من المتوقع أدت لهبوط معدل البطالة إلى 4.6% من 4.9% ما أعطى إشارة قوية لتعافي الاقتصاد ومضيه بخطى ثابتة.

ويعزز التفاؤل الراهن لارتفاع الدولار بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي "المركزي الأمريكي" مقبل على تغييرات في سياسته المالية إذ صرحت "جانيت يلين" أن مبررات رفع الفائدة باتت أكثر من السابق ورفع الفائدة سيكون في الشهور القريبة المقبلة.

لذا فإن المستويات المرتفعة للدولار تؤشر أن هذا الارتفاع ليس آنيًا أو مؤقتًا، وأن هذا الاتجاه سيكون السائد في المرحلة المقبلة، خصوصًا أن خطط ترامب الاقتصادية تتماهى مع هذا، إذ سيعمل على إصلاح النظام الضريبي ورفع الفائدة وزيادة الإنفاق العام.

ارتفاع الدولار أفزع الاقتصادات الناشئة 

أفزع ارتفاع الدولار اقتصاديات الدول الناشئة، فصورة هذا الارتفاع ليست وردية هناك بما فيها الولايات المتحدة إذ يرى خبراء اقتصاد أن الفائدة التي تعود على الاقتصاد الأمريكي، جراء ارتفاع قيمة الدولار في مواجهة العملات الدولية لا تزال إيجابية حتى الآن، وتمثل حافزًا للعملية الإنتاجية، إذ يمكن تمويل احتياجات أمريكا من المواد الخام أو المواد شبه المصنعة بتكلفة أقل.

ولكن في حال استمرار هذا الارتفاع فإنه سيعود بالضرر على الاقتصاد الأمريكي إذ سيرفع من التكلفة النهائية للسلع الأمريكية المقيمة بالعملات الدولية الأخرى لتصبح أغلى من مثيلاتها وأقل تنافسية للمستورد، فيُضعف هذا من الطلب على المنتجات الأمريكية، ويؤدي إلى تراجع الصادرات، وهذا لن يسمح به الفيدرالي الأمريكي.

هبوط معدل البطالة من 4.9% إلى 4.6%  أعطى إشارة قوية لتعافي الاقتصاد  الأمريكي ومضيه بخطى ثابتة

كما يؤثر ارتفاع الدولار بشكل سلبي أيضًا على الاقتصادات الناشئة، بما قد يؤدي إلى تراجع معدلات النمو لديها، فارتفاع الدولار في مواجهة العملات العالمية متزامنًا مع راتفاع في أسعار الفائدة المصرفية في أمريكا، سيؤدي إلى موجة انسحاب (نزوح) لرؤوس الأموال الأجنبية من الاقتصادات الناشئة إلى الأسواق الأمريكية بغرض الاستثمار والتوطن فيها، مما يدفع بمعدلات النمو الاقتصادي في الأسواق الناشئة للانخفاض، ويضع عليها مزيد من الضغوط الاقتصادية من قبيل إيقاف المشاريع القومية وخفض في الإنفاق العام وتكبيد عجز مالي في الميزانية وارتفاع في معدلات البطالة.

فطوال السنوات الماضية سعى الكثير من المستثمرين وصناديق تحوط واستثمار للاستفادة من انخفاض معدلات الفائدة الأمريكية، بالاقتراض من المصارف الأمريكية واستثمارها في سندات الخزانة ذات العائد المرتفع في الأسواق الناشئة، مثل تركيا وبولندا والمجر وجنوب إفريقيا والمكسيك والصين والبرازيل وماليزيا وغيرها.

إذ تشير التقارير الدولية أن ملكية الأجانب في سندات الخزانة المحلية في الاقتصادات الناشئة ارتفع من 8% عام 2007 إلى 17% بحلول العام 2012 وقد وصلت هذه النسبة في الاقتصاد الماليزي إلى 45% ونحو 35% في بولندا والمجر والمكسيك وإندونيسيا وتركيا حيث وصلت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد التركي إلى 16 مليار دولار في العام 2015.

من المحتم أن تشهد الاقتصاديات الناشئة انسحابات للمستثمرين الأجانب مع ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية إذ لن تفلح عوائد الاستثمار في الأسواق الناشئة من تغطية تكلفة سعر الفائدة الأمريكية.

ومن جهة أخرى فإن خبراء اقتصاد يرون أن مواصلة ارتفاع الدولار سيؤدي إلى زيادة قيمة إجمالي الدين الخارجي في تلك الاقتصادات (الناشئة) والبالغة أكثر من 2.5 ترليون دولار لأن أغلب ديون تلك الاقتصادات مقيمة بالدولار وبالتالي سيؤدي ارتفاع قيمة الدولار إلى ارتفاع القيمة الإجمالية للدين الخارجي وزيادة مصاريف خدمة الدين، وهو ما يمثل استنزافًا للميزانية العامة لتلك البلدان.

ولعل تأثر الاقتصادات الناشئة من ارتفاع الدولار يعود إلى خلل جوهري في بنية تلك الاقتصاديات إذ نجحت في رفع معدلات النمو خلال تراجع قيمة الدولار وانخفاض سعر الفائدة بزيادة الإنفاق على بنود الإنفاق العام على حساب البنود الاسثتمارية، ولم تتمكن من معالجة مشاكلها الاقتصادية المزمنة بحيث ترسم سيناريو لما قد يحصل لها مع ارتفاع الدولار وانسحاب المستثمرين الأجانب منها.

مواصلة ارتفاع الدولار سيؤدي إلى زيادة قيمة إجمالي الدين الخارجي في الاقتصادات الناشئة

أثر ارتفاع الدولار بشكل نسبي على عدد من الاقتصاديات الناشئة ما بعد انتخاب ترامب وأفزعتها أرقام تحسن الاقتصاد الأمريكي للأسباب التي ذكرت أعلاه، وظهرت إدعاءات أن الاقتصاد التركي يمر بأزمة كبيرة وأنه يواجه انقلابًا اقتصاديًا، والاقتصاد الصيني يواجه هو الآخر أزمة ستؤثر على معدلات النمو في العالم بأسره.  

فيما يلي نظرة على عينة من عملات بعض الدول الناشئة تبين تأثرها مقابل الدولار في الفترة التي لحقت انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة وبداية صعود الدولار إلى مستوياته القياسية، وحتى اليوم 7 ديسمبر/كانون الأول الجاري.

الليرة التركية الأكثر انخفاضًا 

في الرسم أدناه يظهر سعر صرف الإيوان الصيني مقابل الدولار حيث انخفضت قيمته من 6.78 إلى نحو 6.88 إيوان لكل دولار بنسبة تقارب 1.47% في الفترة المحددة من 9 نوفمبر/تشرين الثاني إلى 7 ديسمبر/كانون الأول.

كما انخفضت الروبيية الإندونيسية مقابل الدولار أيضًا في الفترة المحددة من 13.127 إلى 13.302 روبية مقابل الدولار أي بنسبة انخفاض تقدر بنحو 1.33%.

أما الرنجت الماليزي فقد انخفض أمام الدولار في الفترة المحددة من سعر 4.23 إلى نحو 4.41 رنجت لكل دولار أي بنسبة تقارب الـ4%.

عملة الزلوتي البولندية انخفضت هي الأخرى من 3.9806 إلى 4.1277 زلوتي لكل دولار أي انخفض بنسبة 3.6%.

وأخيرًا الليرة التركية التي تبدو أنها الأكثر تأثرًا من بين العملات المرصودة إذ انخفضت من 3.2102 ليرة لكل دولار إلى 3.4171 في الفترة المحددة أي بنسبة انخفاض بلغت نحو 6%.

والجدير الذكر أن هذه المعدلات تعتبر آنية وقابلة للتغير مع تغير السعر، كما أنها تعكس مدى تأثر العملات الآنفة الذكر مقابل الدولار وليس إلا.