دائمًا ما تسبب قوة الدولار الصداع لعملات الدول العالمية وخصوصًا التي تعتمد على توافد الاستثمارات الاجنبية والعملة الصعبة إليها، وكان من بين العملات المتأثرة بقوة بعد رفع الفائدة الأمريكية الأخيرة، الصين، بسبب ما رافقها من انعكاسات سلبية على اليوان الصيني، والمعلوم أن الصين دفعت خلال الثلاث سنوات الماضية نحو 800 مليار دولار حسب تقديرات مصرف مورغان ستانلي الاستثماري الأمريكي لدعم سعر صرف اليوان والحفاظ على نطاق ذبذبة ثابت ومستهدف مقابل الدولار.

عمليًا الصين تعد من الاقتصادات الناشئة استفادت بشكل كبير من دخول رأس المال الأجنبي إليها في دعم الاستثمارات والدفع في معدلات النمو الأعلى على مستوى العالم حتى باتت محرك النمو العالمي، ونزوح المال الأجنبي من الصين سيسبب ضعفًا في اقتصادها يؤدي إلى تباطؤ النمو، علمًا أنها تستهدف نموًا بنسبة 7% خلال العام الجاري.

خلال الفترة التي تلت الأزمة المالية العالمية 2007 خفض الفيدرالي الأمريكي معدل الفائدة على الدولار لتصبح نحو 0% استفادت كل الدول ذات الاقتصادات الناشئة ومن بينها الصين حيث باتت تتربع في ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة ويعد معدل النمو الصيني المرتفع من أهم أسباب تماسك الاقتصاد العالمي بعد الأزمة المالية 2007.

ويعد بدء رفع الفائدة بعد إبقاءها قريبة من 0% لفترة قصيرة نسبيًا لم تمكن تلك الاقتصادات من الاعتماد على أنفسها بشكل كلي ويترك الرهان على الاستثمارات الأجنبية المباشرة والغير مباشرة ويتحرر من سطوة رأس المال الأجنبي. لذا فإن رفع الفائدة سيقوي من الصداع على الصين ويجعلها في سباق لمجاراة الدولار، وإلا فإن هناك مخاوف حقيقية من حدوث كارثة اقتصادية قد تحل بسوق المال كما حدث بعد رفع الفائدة الأمريكية لأول مرة في ديسمبر/كانون الثاني من العام الماضي 2015.

فبعد قرار الفيدرالي برفع الفائدة على الدولار بواقع ربع نقطة مئوية أول أمس الخميس أوقفت الصين التعامل في السندات في أعقاب ما حدث من انهيار بسبب رفع الفائدة الأمريكية، فتراجع اليوان الصيني مخترقًا مستوى 6.95 للدولار ليسجل أدنى مستوياته منذ مايو/أيار 2008.  

خفض المركزي الصيني نسب الفائدة بواقع مئة نقطة أساس بعد قرار الفيدرالي برفع الفائدة 

وبالتبع فإن زيادة الفائدة الأمريكية ستقود الأموال والاستثمارات للهروب إلى حسابات أجنبية خارج النظام المصرفي الصيني، مما قد يهدد أركان الاستثمار في الاقتصاد الصيني وخصوصًا في ظل الوقت الحالي الذي يشهد تباطؤًا في معدلات النمو.

وعلى الرغم من امتلاك البنك المركزي الصيني لذخيرة كافية من الرصيد الأجنبي بالعملات الأجنبية لدعم عملتها أثناء هبوط قيمتها أمام الدولار، حيث يقدر احتياطي الصين بأكثر من 3 ترليونات دولار، إلا أن مراقبون أشاروا أن رفع الفائدة سيرهق احتياطي النقد الأجنبي الصيني وسيجعل سياساتها النقدية أقل شراهة من التي في أمريكا، حيث عمد المركزي الصيني لخفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس أو 1% وهو يعد أكبر خفض من نوعه في الصين منذ العام 2008 كما عمل المركزي الصيني على تقليص نسبة الاحتياطي للبنوك المحلية.

جاءت هذه القرارات للتخفيف من وطأة الظروف التي تعيشها الأسواق الصينية ولكنه لن تكون المنقذ الوحيد لأزمة الصين مع الدولار. فالصراع مع الدولار لا يتعلق بتغيير السياسة النقدية بشكل مؤقت، فالشركات الصينية لديها مستويات مرتفعة من الديون المقومة بالدولار ويحتاج منها أن تسدد ما عليها من ديون في ظل ارتفاع قيمة الدولار ما سيرفع من تكاليف السداد ويضغط على الشركات.

 والتحدي الأبرز لها أنه إذا كان اليوان واجه أول رفع للفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية وتهاوت العملة بشكل كبير لتلامس مستوى عال لم تلامسه منذ سنوات فكيف سيكون الحال عندما يرتفع سعر الفائدة على الدولار إلى 3% كما هو متوقع في المستقبل أو أن يرفع البنك الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة 3 مرات في العام المقبل 2017.

فمع تولي ترامب السلطة في 20 يناير/كانون الثاني المقبل وتنفيذه وعوده بزيادة معدل النمو عبر خفض الضرائب وزيادة الإنفاق على البنية التحتية، سيعطي هذا دفعة قوية للاقتصاد الأمريكي آخذًا معه الدولار بهذا الاتجاه.

سيؤثر انفخاض قيمة اليوان على ديون الشركات المقومة بالدولار من حيث ارتفاع تكلفة السداد

رفع الفائدة بواقع ربع نقطة مئوية يعد رمزيًا نوعًا ما إلا أن الخطوة بلا أدنى شك لها تأثيرات كبيرة على الاقتصاد الصيني والعالمي على حد سواء وكذا في تحركات الأموال الساخنة الباحثة عن الاستقرار والعائد الأعلى كما سيكون لها تأثيرات على البورصات العالمية وليست العربية منها باستثناء.

ورفع الفائدة المقبل من قبل الفيدرالي سيحتم على اليوان إجراءات أكثر صرامة وأكثر جرأة ولا شك أن الحكومة تحث الخطى لتعمل على سياسات نقدية أكثر نجاعة تخفف من الصدمة التي ستتلقاها بعد رفع الفائدة، إذ من المتوقع أن يزيد هروب رأس المال الصيني إلى حسابات الأوفشور في مراكز المال العالمية كستغافورة الأقرب إلى الصين، وستواجه الشركات الأجنبية المطالبة بسداد قروضها المقومة بالدولار ضغطًا كبيرًا إذ تجني أرباحها باليوان.

كل هذه العوامل ستسهم في ضرب جاذبية الصين للاستثمار فيها وبالتالي الدخول في دوامة التباطؤ بعدما سجلت معدلات نمو عالية سببت تطوير وتوسيع الاقتصاد الصيني بشكل أوصل الصين إلى هذا المركزي العالمي، ومن غير المستبعد أن تمتد آثارها على الاقتصاد العالمي وتؤثر فيه بشكل أو بآخر.