من الواضح أن اتفاقية إجلاء حلب بين تركيا وروسيا التي جاءت بعد تدمير المدينة وتهجير أهلها قسرًا أغضبت إيران الشريكة بعمليات التدمير والتي تمتلك النفوذ الأكبر في الجغرافية السورية عبر 66 مليشيا تُقّدم ولاءها لولي الفقيه، إضافةً إلى ذراعها في لبنان حزب الله وهو ما تعتبره إيران الإنجاز الأكبر لها منذ تدخلها بشؤون المنطقة إبَّان الثورة الخمينية 1979، فيما تتفرًّد موسكو ببسط نفوذها الاستراتيجي في المياه الدافئة، وقواعدها العسكرية البرية في حميميم وطرطوس والتي عملت على تطوريهما ليصبحا قواعد أساسية دائمة لها في سوريا بإعلانٍ رسمي من الكرملين أواخر أكتوبر الماضي.

حلبيون يتجمعون بغرض إجلائهم

 ولكن لماذا غَضِبت إيران من اتفاقية إخلاء حلب ما دامت هي التي طلبت من الرئيس بوتين التدخل في سوريا في 30 من سبتمبر 2015 وسلمته زمام الأمور بعدما كانت هي الداعم الأول للأسد منذ 2011، وكيف يمكن تفسير عرقلتها للاتفاق مرتين على التوالي مع ارتكابها مجازر علنية بحق أهالي حلب المهجرين قسرًا؟ وما هي الرسالة التي أرادت أن توصلها لموسكو؟

إيران أدركت أن روسيا استحوذت على سوريا بشكل كامل خصوصًا بعد ظهور الرئيس بوتين أمام دول الغرب وكأنه الوصي الوحيد على سوريا بفرض نفوذه الجوي والبحري، كما أن إصرار بوتين على انتصار عسكري في حلب وتطبيق سيناريو غروزني أعاد للعالم صور دولة الاتحاد السوفيتي وأمجادها السابقة التي يحاول بوتين إعادتها بالقوة ولو بشكل مؤقت ريثما يحقق صفقة سياسية تفضي إلى تحويل سوريا لورقة بيده يضغط بها على دول الغرب بملفات أوكرانيا وغيرها.

فحلب كانت لموسكو البصمة الأخيرة بعدما وضعت كامل ثقلها العسكري، فما قدمه بويتن من دعم للأسد إيران كانت عاجزة عن تقديمه وإلا لما استنجدت موسكو لتتدخل في سوريا عندما شارف الأسد على السقوط بعد خسارته معظم الجغرافية السورية في 2015.

صحيح أن إيران هي الداعم الأول للأسد لكن دعمها المقتصر على تجنيد مرتزقة وزجهم في آتون الحرب السورية لم يجد نفعًا في وأد الثورة السورية وحتى في مجال الاقتصاد، فما قدمته للأسد من دعم مالي وبيع النفط بالليرة السورية لم تنعش الأسد إلا في فتراتٍ مؤقتة كما أنها تعلم أن الأسطول البحري الروسي والقوة الجوية غير متوفرة لديها.

التفاهمات الأولية بين روسيا وإيران عن النفوذ في سوريا تغيرت مع تبدل المعادلة العسكرية على الأرض، فكل إنجازات النظام كانت لم تكن لولا الغطاء الجوي الروسي، فاستطاع بوتين أن يفرض نفسه كلاعب أساسي وأقوى أمام حلف الأطلسي والناتو ودول أوروبا وهذا ما ظهر جليًّا في الستة أشهر الأخيرة من العام الحاليّ عندما تحول الرأي العام من قبل دول مجلس الأعضاء كبريطانيا وفرنسا في تشكيل حلف غربي وأوربي للضغط على موسكو والتفاوض معها.

كل هذه المعطيات والتقارب الروسي التركي جعل طهران تشعر بعزلة في المدى القريب لتعيد حساباتها من جديد وتضمن مصالحها المذهبية في سوريا والتي اتضحت أكثر مع بدء معركة الموصل بمد خط بري لها يمر من سوريا ليصل الضاحية الجنوبية في لبنان.

كما أنها رغبت في استثمار عملية التغيير الديمغرافي لطوق العاصمة دمشق التي عملت عليه منذ 2012 بموافقة النظام في دمشق، لذا غيابها أو تحجميها عن أي تسوية سياسية في سوريا سيعرقل مشروعها بشكل كامل، فهي تريد ضمانات من النظير الروسي بحجز مقعد لها أمام أي تسوية سياسية، وغير ذلك لن تكن راضية وستعرقل حتمًا أي حل سياسي يُوقف الدماء في سوريا.

فعندما تجاهلت موسكو في البداية طهران باتفاق حلب أرادت إيران أن تُوصل رسالة لموسكو مفادها أنني لاعب أساسي ولن أرضى بغير ذلك وأي اتفاق لسوريا يجب أن يمر عبر طهران، والرسالة تمخضت بإطلاق نار على قوافل متوقفة عند عقدة الراموسة ما أدى لوفاة أربعة أشخاص، فجاء الرد من بوتين شخصيًا إذ هدد بشكل مباشر أنه سيرد على أي خرق لوقف إطلاق النار في حلب حتى لو كان النظام ومليشياته.

ولأن الرسالة لم تصل أقدمت إيران على خرقٍ جديد كان الأعنف بحجز قافلةٍ كاملة وارتكاب تصفية جماعية بحق عشرة من ركاب القافلة الخارجة من حلب، فأدرك بوتين أن إيران ستقف عائقًا في المرحلة الأخيرة من الانتصار والذي يرغب أن يقطف ثماره بأسرع وقت ممكن عبر إعلانه صفقة سياسية لوقف النار على كامل الأراضي السورية والاستعداد لمفاوضات مباشرة لتحقيق الاستقرار في سوريا في العاصمة الكازاخستانية (آستانا).

اتصالات مكوكية ثلاثية جرت بين الحلفاء أفرزت اتفاقًا جديدًا يحقق لإيران ظهورها من جديد من خلال ربط ملف الفوعة وكفريا والزبداني ومضايا بملف حلب وهي الورقة السياسية الوحيدة التي تملكها إيران للدخول في الإطار السياسي، وقد بدا واضحًا أن روسيا تريد إنهاء التوتر مع إيران في الوقت الحالي للتفرغ للصفقة السياسية والتي من المتوقع أن يتم تنسيقها مع الرئيس الجديد للبيت الأبيض ترامب المتوعد لإيران في أثناء حملته الانتخابية بنسف الاتفاق النووي، وقد تتلاقى مصالحه مع مصالح موسكو التي أظهرت عدم قدرتها على ضبط المليشيات الإيرانية في حلب.

إلا أن الاتفاق الأخير على استئناف عملية التهجير لا يبرر تجاهل الخلاف والتوتر الواضح بين روسيا وإيران على قسمة النفوذ للكعكة السورية، لا سيما أن روسيا اليوم تتحدث عن رغبة جدية لإنهاء الصراع في سوريا، فإذا كانت هناك تفاهمات روسية تركية أمريكية على إنهاء دور إيران في المنطقة فهذا سيقود إلى ردة فعل إيرانية من المبكر التكهن بها الآن لكنها حتمًا ستفضي إلي ارتفاع وتيرة الخلاف مع روسيا والذي قد ينعكس سلبًا على كل اللاعبين في المنطقة ويؤجل أي حل قريب لسوريا.