"أوقفوا استعباد الرجال للنساء في المملكة"، "الحرية لفتيات دار الرعاية"، "سعوديات نطالب بإسقاط الولاية"، كل ما سبق هاشتاجات اجتاحت مختلف مواقع التواصل الاجتماعي في أواخر عام 2016، منذرة بثورة تمرد عارمة بين أوساط النساء السعوديات اعتراضًا على كونهن مواطنات من الدرجة الثانية لعقود استمرت كثيرًا.

لم يكن مصطلح "أنا ولية أمري" غريبًا على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كان شعارًا قويًا من قبل نساء المملكة في التعبير بصوت عالٍ عن مطالبهن في التحرر من ولاية الرجل التي تقيد المرأة من حقوقها الأساسية كمواطنة سعودية، مثل الحق في التملك، السفر والزواج، حيث تتطلب موافقة الرجل، أي ولي أمرها، على كل فعل تقرر المرأة فعله، فيما يتضمن قراراتها الشخصية وحقها في العمل.

ليس هناك شروطًا صارمة على الرجل كما هو الحال على المرأة في المملكة العربية السعودية، فمن الممكن أن يكون ابن المرأة واصيًا عليها، فيبدو أن كلمة ذكر في هويته الشخصية تكفيه أن يمتلك السلطات الكافية، ولهذا قامت ثورة السعوديات على مواقع التواصل الاجتماعي كشرارة تنذر بثورة محتملة قادمة.

"المرأة أسيرة نظام ولاية الرجل في السعودية"

هو عنوان تقرير لـ "هيومان رايتس وواتش"، وهو من أكثر التقارير التي كانت عاملًا حفازًا لثورة تمرد السعوديات، حيث صرح بأن نظام ولاية الرجل في السعودية يبقى أكبر حاجز أمام تحقيق المرأة لحقوقها، رغم بعض الإصلاحات التي اتُخذت في العقد الأخير، حيث تحتاج المرأة البالغة إلى تصريح من ولي أمرها للسفر إلى الخارج والزواج ومغادرة السجن، وقد تحتاج إلى موافقته أيضًا للعمل أو الحصول على رعاية صحية، تُفرض هذه القيود على المرأة طيلة حياتها، فالمملكة السعودية تعتبر المرأة قاصرة قانونيًا طيلة حياتها، وهو ما يجعلها مواطنًا من الدرجة الثانية لعقود مضت وربما لسنوات قادمة.

ما الذي فعلته السعوديات حتى الآن؟

اتخذت السعوديات مواقع التواصل الاجتماعي كمنصة مبدئية لهن لانطلاق حملاتهم المتمردة على قوانين المملكة، فبدر منهن حملات قوية وجريئة لم يكن يتوقعها الغالبية من النساء السعوديات بالأخص، فكان ما كان من قيادة السيارات على الطرق السريعة، وكان ما كان من نشر فيديوهات مختلفة لتعنيف الأزواج وتحرش الرجال بهن مستغلين الوصاية عليهن.

#سعوديات_نطالب_بإسقاط_الولاية

هاشتاج انتشر على موقع تويتر بشكل واسع للغاية، ويُعد أكثر الهاشتاغات انتشارًا وتفاعلًا من قبل نشطاء تويتر، وبالأخص السعوديات منهم، حيث تبع ذلك توقيع ما يقرب من 14.500 مواطنة سعودية على برقية #الولاية_للملك_25_سبتمبر، والتي وصلت مكتب الملك سلمان، وتطالب فيها السعوديات بإسقاط وصاية الرجل على المرأة.

تبع ذلك موجة من الفيديوهات المتمردة على مواقع التواصل الاجتماعي، تهدف إلى التهكم والسخرية من قوانين الدولة، أو ما يسميها القانون السعودي بجرائم انتهاك الأخلاق العامة، التي تسمح للشرطة السعودية بالحكم بالسجن على مرتكبيها، وهي جرائم تضمن قيادة المرأة للسيارة، أو ارتداء ملابس ملونة، أو خلعها للنقاب أو الحجاب في الأماكن العامة.

أغنية "هواجيس" والتهكم على نظام الولاية

لم تنته حملة السعوديات الجريئة عند حد التغريدات فحسب، بل قمن كذلك بإنتاج فيديو غنائي بعنوان "هواجيس"، يرقصن فيه بملابس ملونة مرتدين نقابًا أسود فوقها، كما يقمن بقيادة السيارة ولعب الرياضة في الأماكن العامة، حيث يمثل هدف الفيديو الرئيسي في التمسخر من نظام الولاية الذي يحرم المرأة من السفر والرعاية الصحية والتملك وقيادة السيارة وكذلك الزواج، كما يحرمها من ممارسة الرياضة في الأماكن العامة كما هو مسموح للرجال.

يظهر في الفيديو طفلًا يقود السيارة وخلفه ثلاث نساء متشحات بالسواد، في مشهد تهكمي على ولاية الذكر على الأنثى حتى ولو لم يكن بالغًا بعد، فيكون الابن وليًا على أمه في حالة عدم وجود الزوج أو الأب، كما يظهر الفيديو أن القانون لا يبالي بسلامة الأنثى ما دام الواصي عليها يقوم بحمايتها، حتى ولو كان طفلًا، فلذلك قيادة السيارة من قبله وتعريض حياته وحياة المرأة للخطر أمر مقبول من قبل القانون، أما قيادة المرأة بنفسها فهو انتهاك له وانتهاك للأخلاق والآداب العامة.

تبع الفيديو كذلك حملة من التغريدات تتهكم على نظام الولاية ومنع قيادة المرأة للسيارة في شوارع المملكة:

السجن هو الحل

اعتبرت السلطات السعودية السجن هو الحل لوضع حد لحملة إسقاط الولاية المتبعة من قبل السعوديات ومن يؤيدهن من الرجال، فقامت السلطات مؤخرًا في شهر ديسمبر الماضي باعتقال إحدى السعوديات التي خرجت في شوارع العاصمة الرياض، بفستان ملون ودون تغطية لرأسها، حيث قامت بنشر صور لها دون عباءة أو حجاب على تويتر مغردة بأنها مواطنة حرة وليست ملكًا لرجل يأمرها وينهيها.

قامت الشرطة باعتقال الفتاة بتهمة انتهاك الأخلاق والآداب العامة والتحدث بحرية وانفتاح عن العلاقات غير المشروعة بين الرجل والمرأة على حسابها الشخصي على تويتر، حيث اتهمتها الشرطة بأنها تحرض على الشغب وانتهاك القوانين المطبقة على أرض هذه المملكة.

لم تصرح الشرطة بمعلومات عن الفتاة إلا بأنها في أوائل العشرينات من عمرها بحسب تقرير على صحيفة "واشنطن بوست"، إلا أن بعض المواقع صرحت بالفعل بهويتها وصورها المنشورة على تويتر تحت اسم "ملك الشهري" أو "آنجل الشهري"، حيث هاجمها العديد من المواطنين السعوديين وحرضوا على قتلها أو القبض عليها بعد نشرها صور لها دون ارتداء العباءة والحجاب في شوارع الرياض.

لاقت تغريداتها رواجًا على مواقع التواصل الاجتماعي، ليس فقط بين السعوديين فحسب، بل عالميًا أيضًا، حيث كانت ردة الفعل من الجانب السعودي تندد بالقتل، وانتشر بعدها هاشتاج بعنوان "نطالب_بالقبض_على_المتمردة _ أنجل_ الشهري، حيث طالب البعض بقتلها أو رجمها بالأحجار كعقاب مجتمعي تستحقه كل من تسول لها نفسها أن تحذي حذوها وتتخذها قدوة لها في التحرر من سلطة الرجال عليها.

كثيرًا ما يتحجج المسؤولون السعوديون أن الفشل في القضاء على التمييز ضدّ المرأة ليس بسبب سياسة الدولة، وإنما تكون المشكلة في صعوبة التطبيق، ولذلك تواجه المملكة مشكلة ثقافة محافظة وتأويلاً متشددًا للشريعة الإسلامية من قبل مؤسسة دينية قوية، فعلى الرغم من محاولات الحكومة للتخفيف من القيود الصارمة على المرأة في الحياة العامة، إلا أنه على المستوى المجتمعي، وبالأخص العائلي، لا تستطيع المرأة اتخاذ أي من قرارتها الحياتية في المملكة إلا بإذن وموافقة من ولي أمرها، فهل سنرى ثورة تمرد حقيقية من قبل النساء السعوديات بالفعل في عام 2017؟