وسط عالمٍ تحكمه الماديات، ليس من السهل على الإنسان أن يتبع صوت قلبه وضميره، متجاهلًا رنين الأموال وإغراء عالم الشهرة والأضواء، لذا فحكاية نجم كرة القدم الجزائري ياسين إبراهيمي تعد من الحكايات النادرة والفريدة، ليس فقط بسبب تفضيله اللعب لمنتخب بلاده الأصلية الجزائر على حساب بلد مولده وإقامته فرنسا، بل بسبب حجم الضغوطات والمغريات الهائلة التي تحداها ابن الصحراء في سبيل حمل قميص وطنه الحبيب الجزائر.

بدايات إبراهيمي الكروية مع نادي رين

في ضاحية سان دوني المتاخمة للعاصمة الفرنسية باريس، وفي 8 من فبراير من عام 1990، رزقت عائلة إبراهيمي الجزائرية الأصل بالطفل ياسين، وحرص والداه منذ صغره على تنشئته وسط أجواءٍ إسلامية، حيث كان والده المنحدر من مدينة المنيعة بولاية غرداية، ووالدته المنحدرة من منطقة القبائل، من أصحاب التمسك بهويتهما الإسلامية الجزائرية، مما رسخ في الطفل حب وطنه واحترام شعائره الدينية على حد سواء، وبما أن عشق كرة القدم يجري في عروق كل جزائري، فقد ورث الطفل ذلك الاهتمام والعشق.

فكان يداعب الكرة في شوارع سان دوني وهو ابن 6 سنوات، قبل أن ينضم لنادي حيه الصغير مونتي رويل وهو في السابعة، حيث قضى هناك 3 سنواتٍ كانت كافيةً تمامًا لمعرفة حجم موهبته من قبل مدربيه وزملائه، الذين كانوا يطلقون عليه لقب "زيدان"، تيمنًا بالنجم الجزائري الأصل زين الدين زيدان، الذي قاد فرنسا لحمل لقب كأس العالم عام 1998.

إبراهيمي مع منتخب فرنسا للشبان

واستمرت موهبة الفتى الجزائري بالنمو مع التحاقه بأكاديمية نادي فينسينوا، التي قضى فيها 3 سنواتٍ أخرى، قبل أن تلتقطه أعين كشافة مركز كليرفونتين الأكاديمي الذي يعنى بإعداد وتجهيز المواهب الفرنسية، وتأهيلها للعب في صفوف المنتخبات الوطنية الفرنسية، حيث تم تنسيبه للمركز اعتبارًا من عام 2003، وقضى فيه 3 سنواتٍ رفقة ألمع المواهب الفرنسية الشابة آنذاك، تخللها تجربة لمدة عامٍ مع ناشئي نادي العاصمة الكبير باريس سان جيرمان، الذي حاول مسؤولوه إبقاءه ضمن صفوف ناديهم، ولكنه فضل الالتحاق بصفوف ناشئي نادي رين، بناءً على نصيحة والده، الذي رأى بأن نادي المدينة الغربية أكثر اهتمامًا بفئة الشبان من نظيره الباريسي.

وفي الـ16 من عمره، نال إبراهيمي فرصة الالتحاق بمنتخب فرنسا للناشئين، قبل أن يتألق ضمن صفوف شباب نادي رين، ويقودهم لحمل لقب بطولة فرنسا للشبان تحت 18 عامًا لموسم 2006-2007، ويتبعه بلقب بطولة (غامبارديلا) للشبان في العام التالي، ليشهد صيف عام 2009، مشاركة إبراهيمي في بطولة أوروبا للناشئين مع منتخب فرنسا، حيث استطاع قيادة الديوك إلى الدور نصف النهائي، مرسخًا قناعة الفرنسيين بأنه سيكون نجم المستقبل لبلادهم.

إبراهيمي بقميص نادي كليرمون الفرنسي

وكي يحظى بمزيد من الفرص للعب كأساسي، أعار رين لاعبه الموهوب إلى نادي كليرمون، الذي ينشط في دوري الدرجة الثانية الفرنسي، وهناك خاض إبراهيمي 32 مباراةً خلال موسم 2009-2010، الذي اختير في نهايته كأفضل لاعبٍ في الفريق، بعدما أبهر المراقبين بمهاراته الفذة وأهدافه الحاسمة التي بلغ عددها 8 خلال الموسم، ليعود الشاب الجزائري الواعد إلى ناديه الأم رين، محملًا بوعودٍ من مدرب الفريق الأول فريدريك أنتونيتي، الذي تمسك بنجم منتخب فرنسا المتوقع، رافضًا فكرة التخلي عنه، رغم العروض الكثيرة التي تهافتت عليه من قبل أنديةٍ كبرى أبرزها ريال مدريد وأرسنال.

إبراهيمي بعد عودته إلى نادي رين

ورغم البداية المبشرة لياسين مع النادي الأحمر والأسود موسم 2010-2011، بمشاركته في 22 مباراة وتسجيله 4 أهداف، إلا أن الأمور تبدلت في الموسم التالي، عندما علم مسؤولو الفريق برغبة اللاعب في تمثيل منتخب بلاده الأصلية الجزائر، على حساب منتخب الديوك، لتتغير المعاملة من قبل إدارة النادي والصحافة الفرنسية على حد سواء، وتنعكس على العلاقة بين اللاعب ومدربه، الذي استجاب لضغوطات القائمين على الكرة الفرنسية، وقوض دور اللاعب في الفريق، حيث لم يشارك بأكثر من 17 مباراة، خاض معظمها كبديل، قبل أن يقرر التخلص منه بإعارته إلى أحد الأندية المتواضعة خارج فرنسا، فوقع عقدًا انتقل بموجبه إلى نادي غرناطة الإسباني لمدة عامٍ واحدٍ على سبيل الإعارة، مع إمكانية الانتقال النهائي آخر الموسم.

إبراهيمي مع نادي غرناطة اختير كأفضل لاعب إفريقي في الليغا

وانطبق المثل القائل رب ضارةٍ نافعة على نجمنا الجزائري، الذي وجد ضالته مع النادي الأندلسي المغمور، فتحول في غضون موسمٍ واحدٍ إلى أحد أهم مفاتيح لعب فريقه، وساعده على الصمود في أضواء الليغا موسم 2012-2013، ليكافئه مسؤولو النادي بتفعيل عقد انتقاله الدائم إلى فريقهم، مقابل مبلغٍ ناهز الـ4 ملايين يورو، وليتابع إبراهيمي تألقه اللافت مع أبناء الأندلس خلال موسمه الثاني، الذي أنهاه متوجًا بلقب أفضل لاعبٍ إفريقيٍ في الليغا الإسبانية لموسم 2013-2014، لتُفتح له من جديدٍ أبواب المجد والشهرة، وخاصةً بعد تألقه رفقة منتخب الجزائر في كأس العالم صيف عام 2014، لتنهال عليه عشرات العروض من كبرى أندية أوروبا، ومنهم نادي بورتو كبير البرتغال، الذي انتقل إليه بعقدٍ مدته 5 سنوات، بلغت قيمته 6.5 مليون يورو.

إبراهيمي بقميص نادي بورتو

ومع نادي التنانين العريق، راودت نجمنا الجزائري الصاعد أحلامًا مشروعة، باستعادة أمجاد النادي البرتغالي الذي حمل لقب دوري أبطال أوروبا مرتين، كانت أولاهما عام 1987 بجهود سلفه الجزائري طيب الذكر رابح ماجر، الذي اعتبره الكثيرون خير خليفةٍ له، وخاصةً مع توهجه الواضح في المسابقة الأوروبية ذاتها، بنجاحه في تسجيل 5 أهدافٍ وصناعة 3 أخرى، خلال موسمه الأوروبي الأول مع التنانين، لينجح في قيادتهم لبلوغ الدور ربع النهائي، وينجح شخصيًا في التتويج بجائزة محطة BBC البريطانية الشهيرة، كأفضل لاعب إفريقي عام 2014، كما تُوج في العام ذاته بجائزة الاتحاد الإفريقي CAF لأفضل لاعب إفريقي صاعد، وجائزة الكرة الذهبية الجزائرية كأفضل لاعبٍ في بلاده.

إبراهيمي متوجًا بجائزة BBC  كأفضل لاعب إفريقي لعام 2014

ورغم تأثر اللاعب نسبيًا بتذبذب مستوى فريقه البرتغالي، وابتعاده عن الألقاب خلال الموسمين الماضيين، إلا أنه حافظ على لمسته الذهبية ومستواه الراقي، الذي ترجمته الأرقام بتسجيله 22 هدفًا وصناعته 20، خلال 86 مباراةً خاضها مع بورتو في جميع المسابقات، لتتسابق الأندية مجددًا على الفوز بتوقيعه خلال الصيف الماضي، الذي شهد اقترابه بشدةٍ من الانتقال إلى إيفرتون الإنجليزي، لولا تعثر المفاوضات في اللحظة الأخيرة، ليبقى إبراهيمي في الدراغاو موسمًا آخرًا، نجح خلاله حتى الآن في قيادتهم لاحتلال مركز الوصافة في الدوري خلف بنفيكا، فضلًا عن صعودهم إلى دور الـ16 من مسابقة الشامبيونز ليغ، حيث تنتظرهم مواجهة كبرى أمام يوفنتوس الإيطالي.

إبراهيمي خلال مباراة الجزائر وألمانيا في كأس العالم 2014

وبمسيرة ابن الجزائر مع منتخب بلاده الحبيبة نختتم حديثنا عنه، حيث شهدت مباراة بنين ضمن تصفيات مونديال 2014، أول ظهورٍ لياسين إبراهيمي بقميص محاربي الصحراء، بتاريخ 26 من مارس من عام 2013،  فيما حمل تاريخ 22 من يونيو من عام 2014، ذكرى لا تنسى للنجم صاحب الرقم 11، حيث ارتبط بتسجيله أول أهدافه مع منتخب الوطن وأغلاها، وكان في مرمى كوريا الجنوبية ضمن نهائيات كأس العالم الأخيرة بالبرازيل، والتي استطاع محاربو الصحراء رسم البسمة على ثغور محبيهم خلالها، بتقديم مستوياتٍ ممتازةٍ أهلتهم لتجاوز دور المجموعات للمرة الأولى في تاريخهم، قبل أن يحرجوا المانشافت الألماني في ملحمة دور ال16، التي كان إبراهيمي أحد أبطالها.

جانب من أفراح المنتخب الجزائري بالتأهل إلى دور الـ16 من كأس العالم الأخيرة

واليوم، يبلغ عدد المباريات الدولية في رصيد إبراهيمي 31 مباراة، نجح خلالها بتسجيل 7 أهداف، فضلًا عن صناعة العديد منها، ليصبح أحد أهم الركائز الأساسية في منتخب محاربي الصحراء الحالي، الذي تعول عليه الجماهير الجزائرية في تحقيق إنجازٍ طال انتظاره للكرة الجزائرية في المحفل القاري، فهل ينجح إبراهيمي ورفاقه في تكرار مشهد الفرح في بطولة أمم إفريقيا بعد أيام؟ وهل تنصف الكرة إبراهيمي ومحرز وغلام وبن طالب وتايدر وغزال، وبقية النجوم الذين فضلوا رمال بلاد الصحراء على عبير بلاد العطور؟