"انتهى التجميد" بهذه الجملة المختصرة استهل مصدر رسمي لبناني في الرياض حديثه عن النتائج الأولية لزيارة الرئيس اللبناني ميشيل عون للمملكة العربية السعودية على رأس وفد رفيع المستوى التقى خلالها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وبعض كبار رجال الدولة بالديوان الملكي.

المصدر اللبناني أشار إلى أن مسؤولا البلدين اتفقا على إجراء مباحثات عن إعادة المساعدات السعودية للجيش اللبناني والذي تم تجميدها في فبراير الماضي، لكنه لم يحدد كيفية وموعد هذا الإجراء، مشيرًا إلى مباحثات ستجرى بين ولي ولي العهد ووزير الدفاع محمد بن سلمان، ونظيره اللبناني بخصوص هذا الشأن خلال الأيام القادمة، بما يعني فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.

زيارة عون.. الدلالات والرسائل

لا شك أن اختيار الرئيس اللبناني للمملكة العربية السعودية كمحطة أولى لاستهلال زياراته الخارجية منذ توليه مقاليد الحكم يعكس العديد من المؤشرات والدلائل سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، خاصة أنها تأتي بعد فترة من توتر العلاقات بين البلدين.

الرسالة الأولى التي يبعث بها عون من خلال زيارته للرياض، موجهة إلى القيادة السعودية، وتعكس مساعي بيروت نحو التقارب مع المملكة ومحاولة فتح صفحة جديدة في العلاقات، خاصة بعد رفض المغريات القادمة من طهران لتحويل مسار الزيارة أو إرجائها، كما جاء على لسان أستاذ الإعلام السياسي السعودي عبد الله العساف.

أما الرسالة الثانية،  فهي موجهة إلى الخارج، وتتمحور في مساعيه نحو إخراج لبنان من حزمة الصراعات الدولية والإقليمية، لا سيما المتعلقة بالوضع في سوريا أو اليمن.

ثالث الرسائل فيبعث بها الرئيس اللبناني إلى محيطه الداخلي، وتتعلق بتغليب مصالح لبنان الاقتصادية على أي صراعات سياسية أخرى، خاصة أن بلاده تعاني طيلة السنوات الماضية من أزمة اقتصادية طاحنة.

الرسالة الرابعة والأخيرة فهي موجهة لحزب الله اللبناني، الحليف المقرب من ميشيل عون، والتي أكد من خلالها أن مصلحة لبنان أولاً وأخيرًا، حيث جاءت زيارته للسعودية كأولى محطاته الخارجية محل تساؤل من دوائر صنع القرار داخل الحزب الممالي لإيران، وهو ما أجابت عنه وكالة "مهر" الإيرانية، بتقرير نشرته تحت عنوان (زيارة ميشال عون إلى السعودية وتقييم موقف حزب الله)، جاء فيه أن موقف حزب الله ينطلق من ثلاثة محاور لا رابع لها، أولاً أن الحزب ينظر إلى لبنان كبلد مستقل وصاحب سيادة وقرار، وبالنظر إلى الظروف الراهنة التي تعيشها المنطقة فإن على الحكومة اللبنانية بغض النظر عمن يقودها أن تتعامل مع جميع الدول الإسلامية وأن تبني معها علاقات واتصالات، ثانيًا أن أزمة الرئاسة في لبنان وما عاناه اللبنانيون من أزمة اقتصادية في السنوات المنصرمة تحتم على الحكومة أخذ تدابير حازمة من أجل توفير الاحتياجات المالية والاقتصادية، ثالثًا لا يريد حزب الله أن يكون عائقًا لعمل الحكومة لا سيما في ظل هذه الظروف التي تمر على لبنان وهو ينظر إلى نفسه باعتباره عامل قوة وانسجام سياسي وقومي لا عامل فرقة وتعطيل.

حزب الله.. ذراع إيران السياسية والعسكرية داخل لبنان

توتر العلاقات

العلاقات السعودية - اللبنانية في مجملها علاقات تاريخية متميزة، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، فالرياض كانت دومًا الداعم الأول للشقيقة بيروت في جميع المحطات السياسية والأمنية والاقتصادية التي واجهتها خلال الآونة الأخيرة، إلى الحد الذي دفع البعض إلى القول بأن القرار اللبناني يصاغ داخل أروقة الديوان الملكي في الرياض.

وظلت العلاقات بين البلدين تحيا حالة من التناغم والتوافق، فعلى الرغم من الأزمات التي واجهها لبنان في الآونة الأخيرة من حروب أهلية وهزات اقتصادية طاحنة وتوتر في العلاقات مع بعض دول الجوار، فالعلاقات مع السعودية كانت تسير في طريق التلاحم والقوة ومزيد من التعاون، حتى جاء امتناع وزير الخارجية والمغتربين اللبناني جبران باسيل، عن التصويت على القرار الذي أصدره وزراء الخارجية العرب في ختام اجتماعهم الطارئ في القاهرة في يناير العام الماضي، والذي يدين حزب الله بالتورط في العديد من الأعمال الإرهابية، لتدخل العلاقات بين الرياض وبيروت نفقًا مظلمًا.

العلاقات مع السعودية كانت تسير في طريق التلاحم والقوة ومزيد من التعاون، حتى جاء امتناع وزير الخارجية والمغتربين اللبناني جبران باسيل، عن التصويت على القرار الذي أصدره وزراء الخارجية العرب في ختام اجتماعهم الطارئ في القاهرة في يناير العام الماضي

وبعد شهر تقريبًا، وتحديدًا في 19من فبراير 2016، اتخذ الديوان الملكي السعودي عدة قرارات قاسية ضد لبنان، منها إيقاف المساعدات المقررة من المملكة لتسليح الجيش اللبناني عن طريق الجمهورية الفرنسية وقدرها ثلاثة مليارات دولار أمريكي، كذلك إيقاف ما تبقى من مساعدات المملكة المقررة بمليار دولار أمريكي المخصصة لقوى الأمن الداخلي اللبناني، إضافة إلى منع السعوديين والخليجيين من السفر للبنان.

وحسب الرواية الرسمية السعودية عن الأسباب الحقيقية وراء اتخاذ هذا القرار، فتمحورت في توتر العلاقة بين المملكة من جانب، وإيران وحزب الله اللبناني من جانب آخر، مما دفع إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران على خلفية الاعتداء على القنصلية السعودية بإيران، ومن ثم وقف المساعدات المقدمة للبنان.

لبنان يمتنع عن قرار يدين حزب الله خلال جلسة الجامعة العربية في يناير 2016

الرياض تعيد النظر

السياسة الخارجية الجديدة للرياض لا شك أنها ستضع نصب أعينها محاولة تقليل حجم الخلافات بينها وبين حلفائها الإقليميين، فالجفاء مع بيروت وتوتر العلاقات مع القاهرة وتباين وجهات النظر مع الجزائر، لا بد أن تكون موضع دراسة واهتمام من قبل القيادة السعودية، خاصة في ظل سحب البساط من تحت أقدامها مؤخرًا لصالح تحالفات جديدة يأتي في مقدمتها التحالف الروسي الإيراني.

وبعد ما يقرب من تسعة أشهر من تجميد العلاقات اللبنانية السعودية من فبراير حتى نوفمبر 2016، جاءت زيارة الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة وموفد العاهل السعودي، لتهنئة الرئيس اللبناني الجديد العماد ميشيل عون، لتلقي بظلالها التفاؤلية بخصوص مستقبل العلاقات بين البلدين.

زيارة الفيصل جاءت بعد أيام قليلة من إيفاد المملكة وزير الدولة للشؤون الخليجية ثامر السبهان، إلى لبنان، لمباركة تأييد رئيس الحكومة سعد الحريري للعماد ميشال عون، وتأكيد أن الرياض تؤيد ما يتفق عليه اللبنانيون.

وفي المقابل، فقد توجه سعد الحريري رئيس تيار المستقبل اللبناني، إلى الرياض، في مارس الماضي، في محاولة لإصلاح العلاقات مع المملكة بعد قرارها تعليق المساعدات العسكرية للبنان، حيث ذكرت بعض المصادر أن الحريري أجرى عدة مشاورات مع عدد من المسؤولين السعوديين من أجل مناقشة تداعيات القرارات السعودية على لبنان، وإذا ما كان من الممكن إعادة النظر فيها.

الأمير خالد الفيصل خلال زيارته لبيروت لدعوة عون لزيارة المملكة

ماذا تريد الرياض من عون؟

على الرغم من اعتراض فريق من السعوديين على ميشيل عون كرئيس للبنان في ظل علاقاته القوية بإيران، فإن فريقًا آخر يرى فيه الآن الشخصية التي تمثل كل اللبنانيين، ومن ثم فزيارته لن تكون شكلية كما يتوقع البعض، بل ستسهم بشكل كبير في فتح صفحة جديدة في العلاقات، خاصة وأن هناك توجهات لدى الرئاسة اللبنانية الحالية بتغليب مصلحة الدولة على أي اعتبارات أخرى.

الأكاديمي والباحث في الشؤون الإستراتيجية خالد الفرم، في حديث للجزيرة يقول: "دول الخليج تنتظر من عون إجراءات عملية حيال المسار السياسي والعسكري للبنان نحو ملفات المنطقة، وعلى ضوء ذلك ستتشكل العلاقة القادمة بين دول الخليج ولبنان".

الفرم أشار أيضًا إلى أن هناك اتهامات خليجية لحزب الله بموالاة إيران، والهيمنة على القرار السياسي في لبنان، وإدانة تدخله العسكري إلى جانب نظام الأسد ودعمه لمليشيا الحوثي في اليمن، لذا فالرياض بحاجة إلى إجابات واضحة من الرئيس عون على هذه الملفات.

وفي المقابل فقد توقع بعض الخبراء إعادة الرياض استئناف مساعداتها لبيروت، سواء كانت عسكرية أو مادية، فضلاً عن فتح الباب أمام الدعم الخليجي من زاوية أخرى، وهذا ما تريده بيروت في هذه الفترة التي تسعى فيها للخروج من أزمتها الاقتصادية.

دول الخليج تنتظر من عون إجراءات عملية حيال المسار السياسي والعسكري للبنان نحو ملفات المنطقة، وعلى ضوء ذلك ستتشكل العلاقة القادمة بين دول الخليج ولبنان

العاهل السعودي خلال استقباله سعد الحريري في الرياض

سعد الحريري.. إلى أين؟

شهدت العلاقات بين السعودية وحليفها اللبناني رئيس الحكومة سعد الحريري موجات من التوتر خلال الآونة الأخيرة، حين أقدم الأخير على تأييد ترشح ميشيل عون رئيسًا للبنان، وهو المعروف عنه تحالفه وقربه من حزب الله وإيران، ما دفع البعض للتساؤل حينها عن دوافع الحريري لهذا الدعم لعون، بما يعكسه من مؤشرات سلبية على علاقته بالسعودية، التي كانت تنظر للحريري كونه ذراعها السياسي داخل لبنان في مواجهة المد الشيعي الإيراني.

 بعض الخبراء برروا تراجع الحريري عن موقفه الرافض لعون دعمًا للرياض، بسبب المشكلات التي تواجهها شركته بالسعودية، "سعودي أوجيه"، وهي العمود الفقري لشبكته السياسية في لبنان، ومعروف أن "سعودي أوجيه" هي المحرك المالي وراء التيار السياسي الذي تقوده عائلة "الحريري" وقد تضررت بشدة في الآونة الأخيرة جراء التباطؤ في قطاع البناء السعودي المرتبط بهبوط أسعار النفط مما أدى إلى خفض الإنفاق الحكومي وتسبب في تسريح موظفين من تيار المستقبل، ما دفعه إلى توجيه دفته نحو العماد عون.

على الرغم من توتر علاقات الحريري مع الرياض، فإن المصالح السعودية ومساعي استعادة نفوذها من جديد يفرض عليها تخفيف حدة التوتر مع حليفها خاصة بعدما أصبح رئيسًا للحكومة

بعد زيارة عون للسعودية والتي تحمل بين ثناياها مبشرات عودة العلاقات بين البلدين مرة أخرى، لا شك أن الحريري سيكون له دور في المرحلة المقبلة، فعلى الرغم من توتر العلاقات مع الرياض، فإن المصالح السعودية ومساعي استعادة نفوذها من جديد يفرض عليها تخفيف حدة التوتر مع حليفها خاصة بعدما أصبح رئيسًا للحكومة، مما يساعده على الحفاظ على الدور السعودي داخل لبنان في مواجهة حزب الله.

زيارة عون للرياض هي زيارة براجماتية بكل المقاييس، فالخلاف بين عون وسلمان لم يمنع كلا القائدين من البحث عن مصالح بلادهما أينما كانت، حتى ولو كانت عن طريق تقديم بعض التنازلات، كما أن المستجدات السياسية والاقتصادية والأمنية على الساحة الإقليمية كان لها دور بارز في تقوية دوافع البلدين نحو فتح صفحة جديدة، والتغاضي - ولو مؤقتًا - عن الخلاف المذهبي بينهما، إلا أنه من المبكر الحديث عن علاقات قوية تدفع إلى تسوية جميع الملفات العالقة، وتبقى الفترة المقبلة هي التقييم الحقيقي لما يمكن أن تكون عليه العلاقات بين الرياض وبيروت.