جائزة نوبل للسلام، دستور توافقي، انتخابات تأسيسية فتشريعية فرئاسية، 3 رؤساء دولة و8 حكومات تعاقبوا على قصري قرطاج والقصبة، هذه بعض المحطات التي جعلت تونس النموذج الديمقراطي الناجح في بلدان الربيع العربي ومكنتها تصدر الدول العربية في مؤشر الديمقراطية، في السنوات الأخيرة، مسجلة أعلى نسبة تطور إيجابي على الصعيد الدولي في مؤشر التطور الديمقراطي.

يناير 2011، انطلق الربيع العربي من محافظة سيدي بوزيد التونسية ووصلت نسماته ليبيا ومصر واليمن وسوريا، إلا أنها تحولت فيما بعد إلى رياح عتية انتشر خلالها العنف والاقتتال والفوضى في هذه البلدان، إلا في تونس فقد مرت السفينة بسلام رغم الأمواج والمطبات.

"نوبل للسلام" للاستثناء التونسي

نجحت تونس في 23 من أكتوبر 2011 في إنجاز انتخابات المجلس الوطني التأسيسي الذي كتب نوابه دستورًا في يناير 2014، أشادت به دول العالم لحداثته وما تضمنه من فصول ثورية في شتى المجالات، تضمن الحقوق الأساسية لجميع السكان دون شروط تتصل بالجنس والأفكار السياسية والمعتقد الديني، واعتبر الأمين العام السابق للأمم المتحدة المصادقة عليه "مرحلة تاريخية".

حيث اتفق التونسيون على وثيقتهم السياسية الأهم ضمن مسار انتقالي عرف صعودا وهبوطا، كادت تونس في بعض مراحله أن تنزلق إلى طريق الفوضى والعنف أسوة بأشقائها العرب لكن حوارا قادته منظمات وطنية (لاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان) أخرج تونس من هذا المأزق  وأطلقت عملية سياسية بديلة وسلمية في وقت كانت فيه البلاد على شفير حرب أهلية، مكنها من الحصول على جائزة نوبل للسلام سنة 2015، ممثلة في المنظمات الوطنية الأربعة التي قادت الحوار.

إشادة دولية بحصول تونس على جائزة نوبل للسلام

وقالت لجنة نوبل النروجية إن منح الجائزة للمنظمات الأربع التي شكلت الرباعي الراعي للحوار الوطني في تونس جاء تقديرًا لمساهمتهما الحاسمة في بناء ديمقراطية متعددة بعد ثورة الياسمين في العام2011 ، وأضافت اللجنة أن الوساطة الرباعية تشكلت صيف 2013 بينما كانت عملية الانتقال إلى الديمقراطية تواجه مخاطر نتيجة اغتيالات سياسية واضطرابات اجتماعية على نطاق واسع، جائزة منحت للاستثناء التونسي وأرادت لجنة نوبل من خلالها مكافأة الشعب التونسي على أنهم الشعب العربي الوحيد الذي نجح في تطبيق الديمقراطية بعد الثورات العربية.

3 رؤساء و8 حكومات تعاقبوا على الحكم

بعد يناير 2011، عرفت تونس 3 رؤساء تعاقبوا على قصر قرطاج وتداولوا السلطة بطرق سلمية قل نظيرها في البلدان العربية، فؤاد المبزع تسلم مقاليد قصر قرطاج في الـ15 من يناير عقب هروب الطاغية بموجب الفصل 57 من الدستور التونسي لسنة 1959 قبل أن يتم تعليق العمل به، ليعطي مقاليد الحكم بعد انتخابات أكتوبر 2011 للرئيس محمد المنصف المرزوقي الذي انتخبه نواب تونس في المجلس الوطني التأسيسي، رئيسًا للدولة، ثم تلاه الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي، بعده فوزه في الانتخابات الرئاسية في أكتوبر2014.

عرفت تونس بعد الثورة 8 حكومات تعاقبت على قصر الحكومة بالقصبة

إضافة إلى هؤلاء الرؤساء الثلاث، عرفت تونس بعد الثورة 8 حكومات تعاقبت على قصر الحكومة بالقصبة، حكومة محمد الغنوشي الأولى (الوزير الأول في نظام بن علي) استمرت من 17 من يناير 2011 حتى 27 من الشهر نفسه في العام ذاته، وهي حكومة ائتلافية تشكلت من حزب التجمع الدستوري، ومستقلين، والحزب الديمقراطي التقدمي، وحركة التجدي"، ثم حكومة محمد الغنوشي الثانية من 27 من يناير 2011، حتى 27 فبراير من العام نفسه، وتكونت من مستقلين وحزب الديمقراطي التقدمي وحركة التجديد.

بعد ذلك حكومة الباجي قايد السبسي (الرئيس الحالي) من 7 من مارس 2011 حتى 13 من ديسمبر 2011، وتشكلت من مستقلين، فحكومة حمادي الجبالي (الأمين العام الأسبق لحركة النهضة) تشكلت بعد فوز حركة النهضة بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي، عملت خلال الفترة الواقعة بين 22 من ديسمبر 2011 حتى 13 من مارس 2013، وهي حكومة ائتلافية بين حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات ومستقلين، فحكومة علي العريض من 13 من مارس 2013 إلى 9 من يناير 2014، وهي حكومة ائتلافية بين النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات ومستقلين.

التداول السلمي للسلطة ميزة التجربة التونسية

 فحكومة مهدي جمعة عملت من 28 من يناير 2014 إلى 26 من الشهر نفسه عام 2015، وهي حكومة تكنوقراط تكونت من مستقلين بعد اتفاق نتيجة حوار وطني انطلق في أكتوبر 2013 لحل الأزمة السياسية الناتجة عن اغتيال المعارض القومي محمد البراهمي، فحكومة الحبيب الصيد التي بدأت نشاطها من 6 من فبراير 2015 حتى اليوم، وهي ائتلافية تكونت إثر انتخابات تشريعية ورئاسية، جرت عام 2014 بين أربعة أحزاب: حركة نداء تونس (وسط ليبرالي) والنهضة (إسلامية) والاتحاد الوطني الحر (ليبرالي) وآفاق تونس (ليبرالي)، وصولاً إلى الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد.

3 محطات انتخابية

عقب ثورة يناير2011، مرت تونس بمحطات مهمة لعل أبرزها انتخابات المجلس الوطني التأسيسي والانتخابات التشريعية والرئاسية، انتخابات ثلاثة كانت انتصارًا للديمقراطية، ففي الـ23 من أكتوبر2011، شهدت تونس انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، انتخابات قطعت مع الماضي وأساليبه القذرة في تنظيم الانتخابات، حيث سهر على تنظيمها هيئة مستقلة فكانت أول انتخابات حرة في تاريخ تونس، لتشهد البلاد بعدها انتخابات تشريعية ثم رئاسية نهاية سنة 2014، وصفها مراقبو البعثة الأوروبية بـ"الشفافة" وذات "المصداقية"، عزز شعب تونس من خلالها التزامه الديمقراطي.

التوافق سر نجاح التجربة التونسية

يرجع تونسيون، نجاح الاستثناء التونسي إلى ثقافة "التوافق" التي اتسمت بها تونس بعد يناير 2011، في وقت اعتمدت فيه دول المنطقة السلاح، توافق كان من أبرز الأسباب الرئيسية لتحجيم مسببات الصراع بين العلمانيين والإسلاميين ووصول السفينة التونسية بر السلام، وبموجبه قدمت جل الأطراف السياسية على رأسها حركة النهضة عديد التنازلات، أهمها الانسحاب من الحكومة وفسح المجال أمام التكنوقراط.

نجاح تجربة التوافق في تونس 

هذا التوافق مكّن تونس من تجاوز عديد العقبات وأظهرت من خلاله كل الأطراف السياسية قدرًا كبيرًا من الوعي في التعامل مع التحديات التي واجهت بلدهم، بعد أن أدركوا صعوبة الاختبار وحساسية المرحلة التي تمر بها المنطقة، فنجحوا في حماية بنية الدولة وابتعدوا عن شعارات قد تؤجج الخلافات العقيمة ويتناسل في ظلها العنف والفوضى.

حرية الصحافة.. صمام أمان التجربة التونسية

إلى جانب احتلالها المرتبة الأولى عربيًا في مؤشر الديمقراطية، في السنوات الأخيرة، مسجلة أعلى نسبة تطور إيجابي على الصعيد الدولي في مؤشر التطور الديمقراطي، تحتل تونس المرتبة الأولى عربيًا في حرية الصحافة حسب آخر ترتيب لمنظمة مراسلون بلا حدود، نتيجة ما تتمتع به الصحافة التونسية من هامش كبير للحرية التي كانت من أبرز مكتسبات ثورة يناير.

وعرفت تونس منذ يناير 2011 بتحرير شامل لقطاع الإعلام مما جعل ترتيبها العالمي في حرية الصحافة يأخذ نسقًا تصاعديًا، فقد كانت تونس في المرتبة الـ133 سنة 2012 ووصلت في 2015 إلى المرتبة الـ126 ثم المرتبة الـ96 من أصل 180 دولة.

على الرغم إلى كل ما سبق تناوله، تستحق تونس دفعة استثنائية تستجيب لمقتضيات المرحلة المفصلية في بناء نموذج حكم ديمقراطي يقوم على الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، كما يتطلع إليه التونسيون.